موقع الدكتور مساعد الطيار - النسخة الكفية
الرئيسية

مقالة في المصاحف المخطوطة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فمن الأعمال النادرة اليوم العناية بالمصاحف المخطوطة، حيث تجد انصرافًا عجيبًا من الدارسين في حقل الدراسات القرآنية عن جمعها والبحث فيها، ومعرفة ما تحتويه من مسائل علمية تتعلق بالقراءة وعلومها؛ كالقراءة التي كُتِب بها المصحف، والضبط، وعد الآي، والتعشير والتخميس، وغير ذلك مما تحتويه هذه المصاحف المخطوطة.
وقد رأيت في أكثر من لقاء تخوف بعض المتخصصين من فتح هذا الباب، وكأنهم يتوجسون ريبة مما قد يقع في بعض المصاحف من نقص أو خلل؛ كما يتوهمه هؤلاء دون سابق بحث وتمحيص في ما تكتنزه هذه المصاحف.
وقد أخذت الدراسة لجماليات هذه المصاحف وفنياتها أكثر مما أخذته الدراسة العلمية لها، حتى إنه يمكنك عَدُّ الدراسات العلمية عدًّا لقلتها.
وبين فينة وأخرى يظهر اكتشاف لمصحف من المصاحف التي يُظنُّ أنها قديمة، وأنها قد تكون في الحقبة الأولى من الإسلام.
وهنا تختلف نظرة الباحثين والمعتنين بالدراسات القرآنية حول هذا المصحف أو ذاك.
وكثير من حديثهم يدل على غياب رؤية علمية مؤصلة في ضوابط قبول هذه المصاحف من عدمه.
بل إن بعضهم يشير بأصبع الاتهام إلى أن المستشرقين يريدون الطعن في سلامة ما بين الدفتين بهذه القطع التي يُعثر عليها مرة بعد مرة.
وهذا ـ لعمر الله ـ دليل على ضعفنا العلمي العام في مواجهة مثل هذه القضايا بسلاح علمي موثوق مأمون.
ولنفترض جدلاً أنهم عثروا على قطعة من مصحف يرجع إلى عصر الصحابة، وأن فيه بعض الكلمات التي لا توجد في المصاحف العثمانية ، فهل السبيل الأمثل هو الطعن في نوايا المستشرقين والتشكيك في مراداتهم؟!
ألا يوجد سبيل علمي قويم لمناقشة مثل هذه القطع المصحفية؟!
إن مما يؤسف عليه أننا تركنا البحث عن المصاحف لغير المسلمين، وقصارى أمرنا أن نترجم كتبهم أو نبحث عنها لنصورها ونستفيد مما فيها من مخطوطات للمصاحف.
أما أن نركب نحن البحر، ونقود سفينة البحث في هذا المجال فإننا لم نفكر فيه.
ولك أن ترجع إلى البحوث الأكاديمية التي عنيت بالمصاحف المخطوطة لترى صدق ما ذكرت لك.

لمحة عن تاريخ المصاحف:
أولاً: الذي أريد أن أنبه عليه هنا أننا نحن المسلمين لا نُخفي حقيقة وجود مصاحف أو قطع منها كان فيها بعض كلمات ليس موجود فيما اتفقت عليه الأمة من عهد أبي بكر فعمر فعثمان مما كُتبَ بين الدفتين، وأن هذه الكلمات كانت قرآنًا نزل، ثم أمر الله برفعه، وكان من أعلم الناس بذلك زيد بن ثابت الذي كتب (القرآن) بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كتبه في المصحف في عهد أبي بكر، ولم يقع أي اعتراض من الصحابة على عمله، ثم قام بنسخ القرآن الذي في مصحف أبي بكر مع اللجنة التي اصطلح عليها الصحابة في عهد عثمان في عدد من النسخ، وصارت تنسب إلى الخليفة الراشد عثمان بن عفان، وصار رسمها ينسب إليه كذلك، فيقال: (الرسم العثماني)، وانتشر ما بين الدفتين بين المسلمين، وصار هو المعيار لمعرفة القرآن الثابت من القرآن المرفوع بأمر الله تعالى، ثم تناقلت الأمة ما بين الدفتين جيلاً بعد جيل، لم يزيدوا فيه حرفًا ولا نقصوا منه حرفًا.
وإن توالي السنين على هذا الذي بين الدفتين من غير زيادة ولا نقصان فوق طاقة البشر، وهو محض حفظ إلهي لا يصل إليه أي كتاب مهما بلغت العناية به.
وليس أدلَّ على ذلك من وجود قراءات ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يُقرأ بها اليوم لمخالفتها لما بين الدفتين.
وهذا يعني أن ثبوتها لا يلزم منه بقاء قرآنيتها، بل تكون مما رفعه الله بدلالة أنهم لا يمكن أن يجمعوا على ترك حرف واحد مما بقي قرآنًا يتلى، وإلا لوقع بينهم اختلاف عظيم.
وإن تمسك بعض الصحابة بما عندهم من مصاحف مخالفة لما في المصاحف العثمانية لا يكون حجة على الجميع، كيف وقد كره الصحابة ذلك منهم، ثم لم يبق لرأيهم أثر بعد استقرار نُسَخ المصاحف بين المسلمين من عهد عثمان إلى أن يأذن الله برفعه من السطور والصدور.
ولذا لا يوجد مصحف أو قطعة من مصحف فيها كلمات زائد عن القرآن الذي تناقله المسلمون ولا ناقصة منه ، وإنما يوجد في كتب المرويات من التفاسير والأحاديث وغيرها إسناد بعض هذه القراءات لبعض الصحابة.
ثانيًا: إن من يقرأ في تاريخ نَسْخِ المصاحف يعلم أن مصاحف الصحابة كانت خالية من النُّقط والشكل وغيرها من الأمور التي طرأت على المصاحف فيما بعد، وأنه لم يكن فيها إلا صورة الكلمة فقط، وأن أول من أدخل الضبط في المصحف أبو الأسود الدؤلي (ت: 69) في أواسط عصر الصحابة، وقد كره ذلك جماعة من الصحابة والتابعين، لكن الأمر استقر على ما فعله أبو الأسود، كان بمداد أحمر، ثم دخل التخميس والتعشير، ثم دخل إعجام الحروف، وهو وضع النقط على بعض الحروف، ثم دخل شكل الخليل، وهو وضع الحركات على الحروف ... إلخ من الأمور التي عمل بها نُقَّاط المصحف حتى يومنا هذا.
لكن المصاحف تختلف فيما بينها في هذه الأمور التي تدخل ـ على وجه الإجمال ـ في (علم الضبط) ، وصارت مجالاً رحبًا لاختلاف التنوع بين العلماء، كما صارت مجالاً نافعًا لدارسي المصاحف المخطوطة اليوم.

الأمور التي تتضمنها المصاحف:
بعد هذه الإشارة التاريخية الموجزة جدًّا أقول: صار المصحف لا يخلو من ثلاثة أمور:
الأول: النص المكتوب الذي اتفقت عليه الأمة أنه هو القرآن الثابت الذي تُلقي من النبي صلى الله عليه وسلم بنقل الأمة عن الأمة، وإذا وجد أي مخالف لما ثبت بنقل الأمة عن الأمة، فإنه مردود؛ لأن ما بن الدفتين هو المعيار الذي نقيس به؛ إذ لا يجوز في العقول السليمة أن نترك ما تتابع عليه نقل أمة عن أمة، مع تمام الحرص منها على ضبط المنقول، وإبعاد ما لم تصح قرآنيته، وأن نتبع ما انفرد به واحد منهم، أو أن نتبع ما قد نجده في صفحة غابت عنا من قرون، فندَّعي بأنها كانت مخطئة في نقلها، وأن ما في هذه الصحف مخالفة لما أطبقت عليه الأمة من عهد نبيها صلى الله عليه وسلم إلى اليوم، ولا يقول بهذا إلا ذو هوى مشغِّب أو جاهل جهلاً مطبقًا.
وكيف يجوز نسب الخطأ إلى هذه الأمة التي لا يخفى على غيرها تمام عنايتها بكتاب ربها، وأنه من أول دهرها إلى اليوم لا تخرم منه حرفًا ولا تزيد فيه حرفًا في أي مكان وجد كلام الله، في مقام التعليم، أو في المحاريب، أو في كتب العلم من تفسير وفقه وحديث وقراءات ووقف وابتداء إلى غيرها، فلا تكاد تجد عبر هذه القرون غير هذا الذي بين الدفتين، فكيف يُتصوَّر بعد ذلك وقوع الخلل في ضبط هذه الأمة لكتاب ربها.
الثاني: الرسم الذي كتب به الصحابة هذا النص، وهذا هو الرسم المعتمد عند علماء القرآن حسب ما تناقلوه في كتب الرسم عن المصاحف العثمانية، ولذا صار ما نقلوه معيارًا نحكم به على ما يصلنا من المصاحف المخطوطة، ونبين مدى التزامها بالرسم العثماني من عدمه.
ولهذا فما كتبه بعض من لا عناية لهم بالرسم واعتمد في بعض الكلمات على الإملاء المعاصر له؛ كابن البواب، فإنه لا يعتبر من المصاحف التي يعتمد عليها في هذا الباب.
كما يلاحظ أن أغلب ما يُكتب على هذا الإملاء لا يؤثر على نطق القرآن؛ لأنه يتلقى بالمشافهة، ولا يؤخذ من المصحف مباشرة، والذي أريد تأكيده هنا أنه لا يؤثر على نقل ما بين الدفتين، كأن يكتب (السماوات) مكان (السموات) .
تنبيه:
قد يوجد في بعض المصاحف المخطوطة القديمة مخالفة لرسم بعض الكلمات التي نقل علماء الرسم فيها ما يحكونه عن المصاحف العثمانية.
والأمر في هذا سهل، وليس بالأمر الكبير؛ لأنه لا يؤثر على نطق الكلمة، وإنما وجه الخلاف في أنها كُتبت برسم مغاير لما هو منقول عن المصاحف العثمانية، وهذا يدخل في باب التنوع في الرسم، وهو أمر قائم في الإملاء كله من القديم؛ لأنه مواضعة واصطلاح، وهو محل للاختلاف.
لكن الذي استقر عليه الأمر عند العلماء أن ما نقله علماء الرسم عن المصاحف العثمانية هو الأصل الذي يقاس عليه، وعلى هذا جرى العمل عند الجمهور.
الثالث: ما يضاف إليه من علامات الضبط وغيرها، وهذه الأمور تخضع لاجتهادات العلماء عبر القرون، وهي مجال بحث الباحثين لاستكشاف مدى عناية علماء الأمة بكتاب ربها، وبضبط مرسومه ليسهل على الناظر قراءته، وإن كان لا يمكنه أن يقرأه كله من مصحف، بل لابدَّ من معلم له يقرؤه عليه، فالقرآن لا يتلقى من المصحف، وإنما يُتلقى من أفواه المقرئين، منذ أن نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليوم؛ لذا كان المحفوظ في الصدور أصلاً للمكتوب.
وتلقي القرآن بالمشافهة من خصوصيات تعلُّم القرآن التي جعلته محفوظًا بأدق ما يكون من طريقة نطق كلماته، وما وقع فيها من اختلاف تنوع في النقل بين القراء.
ومن نظر في علم القراءات، وما فيه من الانضباط في النقل، فإنه ـ إن تجرد عن الهوى ـ سيسلم بصحة نقل هذا الكتاب بأدق تفاصيله، لأن كثيرًا من علم القراءات يرتبط بالصوت، ولا يمكن نقله عبر الرسم، لذا لا يمكن تلقيه ومعرفته إلا بالمشافهة، وفيه من دقائق الاختلاف بين القراء في النطق ما حفظه لنا علماء القراءة وتناقلوه جيلاً بعد جيل.
فالروم أو الاختلاس مصطلح مشترك بين النحاة والقراء، وهو عندهم الإتيان بجزء من الحركة، ولو سألت نحويًا غير بصير بالقراءات عن كيفية نطقه لما أفادك بما يشفي، ولو سألت أي متعلم تلقى القراءة بالمشافهة لوضحه لك نظرًا وقراءة؛ لأنه تلقاه عن شيخه.

هل من ضوابط للمصاحف المخطوطة المعتبرة؟
ليس كل مصحف مخطوط متقدم له فائدة عليمة معتبرة، وإن كان يوجد له فوائد فنية يعتبرها أهل الاختصاص بالآثار.
وإذا كان ذلك كذلك، فلابدَّ من مواضعة على المصاحف التي تعتبر في الدراسة، والتي تكون العناية بها أولى.
وأقترح ما يأتي:
1 ـ أن يغلب على الظن تقدمه، وبالأخص أن يكون من القرن الأول .
ومرجع هذا الباحثون العارفون بنوع المواد المستخدمة في المصحف من الورق والرق والمداد، وكذا نوع الخط الذي قد يشاركهم فيه بعض الذين لهم عناية بتمييز ذلك من المتخصصين بالرسم العثماني.
2 ـ أن يكون كاتبه ممن عُرف بالعلم بالرسم والضبط وعلوم الأداء، أو أن يقرأه ويطلع عليه عالم بها.
3 ـ أن يظهر بعد دراسته وعرضه على كتب الرسم والضبط صحته فيهما.
وأما ما يتعلق بالنص، فإنه لا يمكن أن يوجد مصحف كامل ويكون فيه زيادة أو نقص، عما وصلنا بنقل الأمة عن الأمة جيلاً بعد جيل، بل وقوع هذا النقص أو الزيادة من المحالات، وإنما الذي قد يقع أن يكتب كاتب المصحف بعض الكلمات على الرسم الإملائي المعاصر له، كما هو الحال في مصحف ابن البواب، وهو مشهور ومتداول بين الباحثين اليوم.
وأقول إن ادعاء وقوع نقص أو زيادة فيما بين الدفتين ادعاءٌ يدل على أحد أمرين:
الأول: أن قائله صاحب هوى وشبه فحسب.
الثاني: أنه جاهل بحال هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وسأذكر بعض الشواهد التي تدلُّ على تمام حفظ الله لكتابه:
1 ـ فسر المفسرون القرآن من عهد الصحابة إلى اليوم، بل فسره كذلك من هم مخالفون لنا من الباطنية وغيرهم، ولم نجد في أي تفسير من التفاسير على مر العصور واختلاف الأقطار من ذكر كلمة واحد أدرجها ضمن النص القرآني أو حذفها منه، بل كلهم يفسرون النص نفسه المبدوء بسورة الفاتحة والمختتم بسورة الناس على الترتيب نفسه الذي أقره الصحابة، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا.
2 ـ كتب القراءات والوقف والابتداء وغريب القرآن وغيرها مما يرتب على السور؛ كلها تعتمد النص نفسه بترتيبه بلا زيادة ولا نقص؛ بل إن كتب القراءات تصل إلى أدق من هذا، وهو انضباطها الدقيق في حكاية مذاهب القراء مع تباينها واختلافها، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا.
وخلاصة القول: إنك لن تجد أي اعتمادٍ للمقروء أو لتفسيره أو ما يتعلق به على غير ما بين الدفتين الذي هو القرآن المحفوظ من عند الله؛ كما قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).

من فوائد البحث في المصاحف المخطوطة:
1 ـ إثبات كمال حفظ القرآن مكتوبًا عبر العصور وفي مختلف الأقطار، إذ لم يُعثر على مصاحف تخالف ما وصلنا اليوم.
2 ـ عرض قضايا الرسم التي في هذه المصاحف المخطوطة على ما تناقله العلماء عن المصاحف العثمانية؛ لأن ما تناقلوه وكتبوه في كتب الرسم هو المعيار الذي يُحتكم إليه، وهو الذي توزن به هذه المصاحف المخطوطة.
3 ـ معرفة ما حصل في علم الضبط من تطور واختلاف تنوع بين المصاحف حتى استقر العمل على ما نراه اليوم في مصاحفنا.
4 ـ معرفة ما يتعلق بالمصحف من أمور أخرى كالقراءة التي كتب بها، وعد الآي الذي اعتمده الناسخ، وغيرها من العلامات التي يضعها كعلامة التعشير والتخميس والأحزاب والأجزاء وغيرها.
5 ـ معرفة الخطوط التي كتبت بها المصاحف من عهد الصحابة إلى اليوم في المشرق والمغرب؛ كالخط الحجازي اليابس وخط النسخ والخط الأندلسي ... إلخ.
6 ـ معرفة الأدوات التي تستخدم في كتابة المصاحف كالرق والمداد والأقلام ، وما يقع من تزيين وزخرفة فيها، وغير ذلك من الأمور الفنية المتعلقة بكتابة المصاحف.
وبعد هذا، فإني أسأل الله أن يستعملنا في خدمة كتابه وإيصال رسالته للناس، وأن يعيننا على الذبِّ عنه، ويجعلنا من أهله وخاصته، إنه سميع مجيب.


الرئيسية | الموقع كاملاً