موقع الدكتور مساعد الطيار - النسخة الكفية
الرئيسية

التعليق على تفسير ابن جرير الطبري المجلس الثامن والعشرون: (10- 1 - 1436)

المجلس الثامن والعشرون: (10- 1 - 1436)

اعتنى به: عمرو الشرقاوي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

[1/405]

قال الطبري رحمه الله:
((الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأَتَوْا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 25] أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَبَشِّرِ} [البقرة: 25] فَإِنَّهُ يَعْنِي: أَخْبِرْهُمْ. وَالْبِشَارَةُ أَصْلُهَا الْخَبَرُ بِمَا يَسُرُّ الْمُخْبَرَ بِهِ إِذَا كَانَ سَابِقًا بِهِ كُلَّ مُخْبِرٌ سِوَاهُ.
وَهَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِبْلَاغِ بِشَارَتِهِ خَلْقَهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ، وَصَدَّقُوا إِيمَانَهُمْ ذَلِكَ وَإِقْرَارَهُمْ بِأَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ، فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ بَشِّرْ مَنْ صَدَّقَكَ أَنَّكَ رَسُولِي وَأَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالنُّورِ فَمِنْ عِنْدِي، وَحَقِّقَ تَصْدِيقَهُ ذَلِكَ قَوْلًا بِأَدَاءِ الصَّالِحِ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي افْتَرَضْتُهَا عَلَيْهِ وَأَوْجَبْتُهَا فِي كِتَابِي عَلَى لِسَانِكَ عَلَيْهِ، أَنَّ لَهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَاصَّةً، دُونَ مَنْ كَذَّبَ بِكَ وَأَنْكَرَ مَا جِئْتَ بِهِ مِنَ الْهُدَى مِنْ عِنْدِي وَعَانَدَكَ، وَدُونَ مَنْ أَظْهَرَ تَصْدِيقَكَ وَأَقَرَّ بِأَنَّ مَا جِئْتَهُ بِهِ فَمِنْ عِنْدِي قَوْلًا، وَجَحَدَهُ اعْتِقَادًا وَلَمْ يُحَقِّقْهُ عَمَلًا. فَإِنَّ لِأُولَئِكَ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ مُعَدَّةٌ عِنْدِي.
وَالْجَنَّاتُ جَمْعُ جَنَّةٍ، وَالْجَنَّةُ: الْبُسْتَانُ. وَإِنَّمَا عَنَى جَلَّ ذِكْرُهُ بِذِكْرِ الْجَنَّةِ مَا فِي الْجَنَّةِ مِنْ أَشْجَارِهَا وَثِمَارِهَا وَغُرُوسِهَا دُونَ أَرْضِهَا، فَلِذَلِكَ قَالَ عَزَّ ذِكْرُهُ: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [البقرة: 25] لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْخَبَرَ عَنْ مَاءِ أَنْهَارِهَا أَنَّهُ جَارٍ تَحْتَ أَشْجَارِهَا وَغُرُوسِهَا وَثِمَارِهَا، لَا أَنَّهُ جَارٍ تَحْتَ أَرْضِهَا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ إِذَا كَانَ جَارِيًا تَحْتَ الْأَرْضِ، فَلَا حَظَّ فِيهَا لِعُيُونٍ مِنْ فَوْقِهَا إِلَّا بِكَشْفِ السَّاتِرِ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ. عَلَى أَنَّ الَّذِيَ تُوصَفُ بِهِ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ أَنَّهَا جَارِيَةٌ فِي غَيْرِ أَخَادِيدَ .
كَمَا حَدَّثَنَا وبإسناده، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: «نَخْلُ الْجَنَّةِ نَضِيدٌ مِنْ أَصْلِهَا إِلَى فَرْعِهَا، وَثَمَرُهَا أَمْثَالُ الْقِلَالِ، كُلَّمَا نُزِعَتْ ثَمَرَةٌ عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَاؤُهَا يَجْرِي فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ».
وبإسناده عن سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مُرَّةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ قَالَ: فَقُلْتُ لِأَبِي عُبَيْدَةَ: مَنْ حَدَّثَكَ، فَغَضِبَ وَقَالَ: مَسْرُوقٌ فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي أَنَّ أَنْهَارَهَا جَارِيَةٌ فِي غَيْرِ أَخَادِيدَ، فَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِيَ أُرِيدَ بِالْجَنَّاتِ أَشْجَارُ الْجَنَّاتِ وَغُرُوسُهَا وَثَمَارُهَا دُونَ أَرْضِهَا، إِذْ كَانَتْ أَنْهَارُهَا تَجْرِي فَوْقَ أَرْضِهَا وَتَحْتَ غُرُوسِهَا وَأَشْجَارِهَا، عَلَى مَا ذَكَرَهُ مَسْرُوقٌ. وَذَلِكَ أَوْلَى بِصِفَةِ الْجَنَّةِ مِنْ أَنْ تَكُونَ أَنْهَارُهَا جَارِيَةً تَحْتَ أَرْضِهَا.
وَإِنَّمَا رَغَّبَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عِبَادَهُ فِي الْإِيمَانِ وَحَضَّهُمْ عَلَى عِبَادَتِهِ، بِمَا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ أَعَدَّهُ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ عِنْدَهُ، كَمَا حَذَّرَهُمْ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا بِمَا أَخْبَرَ مِنْ إِعْدَادِهِ مَا أَعَدَّ لِأَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ الْجَاعِلِينَ مَعَهُ الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ مِنْ عِقَابِهِ عَنْ إِشْرَاكِ غَيْرِهِ مَعَهُ، وَالتَّعَرُّضِ لِعُقُوبَتِهِ بِرُكُوبِ مَعْصِيَتِهِ وَتَرْكِ طَاعَتِهِ .)).

التعليق:
ابتدأ المؤلف بالبشارة، وأنها: بمعنى الخبر، وأصلها: الخبر بما يسر به المخبر، وخرجت عن الأصل في استعمالها في غير الخير، ولاشك أن هذا فيه حكمة في الخطاب، وغالبًا ما يكون فيه تهكم بالكفار.
والمُخاطب هنا هو الله تبارك وتعالى، وهذا الخطاب مخالف لأنواع الخطابات عند العرب، فكل خطاباتهم بشرية، أما هنا فهو من خالق إلى مخلوق، وهذا ل ايوجد له مثيل عندهم، ولذا هم يعرفون أنه ليس من عند محمد صلى الله عليه وسلم .
والنظر في طريقة الخطاب الإلاهي للبشر هو محل نظر وبحث؛ لأن فيه جانب عقلي لتبكيت الخصم ومنهم المستشرقين وغيرهم ممن يدعون أن هذا الكلام لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم.
قوله رحمه الله: ((وَإِنَّمَا رَغَّبَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عِبَادَهُ فِي الْإِيمَانِ وَحَضَّهُمْ عَلَى عِبَادَتِهِ، بِمَا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ أَعَدَّهُ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ عِنْدَهُ، كَمَا حَذَّرَهُمْ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا بِمَا أَخْبَرَ مِنْ إِعْدَادِهِ مَا أَعَدَّ لِأَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ الْجَاعِلِينَ مَعَهُ الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ مِنْ عِقَابِهِ عَنْ إِشْرَاكِ غَيْرِهِ مَعَهُ، وَالتَّعَرُّضِ لِعُقُوبَتِهِ بِرُكُوبِ مَعْصِيَتِهِ وَتَرْكِ طَاعَتِهِ .)) فيه موازنة بين تعبير الآيات، ففي الآية السابقة قال تعَالَى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24] وفيها بين سبحانه وتعالى حال الذين كفروا. ثم كأن سائل يسأل بعد ذلك: فما حال الذين آمنوا ؟ فجاء البيان في قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ..} وهذا الخطاب فيه جانب ترغيب وترهيب للمؤمنين، لئلا يقعوا فيما وقع فيه الكفار، وهو ما أشار إليه الطبري في كلامه السابق.
ثم انتقل حديثه رحمه الله لدلالة على معنى لغوي، فقال: ((والْجَنَّةُ: الْبُسْتَانُ)) وهذه الأسماء تتضمن أوصافًا، وكل اسم من هذه الأسماء يكون فيه معنى غير الاسم الآخر.
والأوصاف وإن كانت تنتقل لأسماء، إلا إنها تتغاير وتتمايز، ولذا نحن حينما نريد أن نعبر فإننا نقرب المعنى ولا نستطيع أن نأت بمطابقه، فمثلاً لفظ الجنة سمي كذلك؛ لأنها مأخوذة من الجن والاستتار، ومعنى البستان فيه دلالة على التحسين والتزويق لما في هذه الجنة، فصار هنا معنيان لكل واحد منهما معنى خاص ينفرد عن معنى صاحبه.
والتفسير إنما هو تقريب للمعنى، ولهذا يتسامح في التعبير عن المعنى لما يقربه، لأن في ذلك سعة، وعلى هذا سار جمهور السلف في تفسيرهم.
ثم أشار الطبري -رحمه الله- إلى أن التعبير بالجنة لا يشمل الأرض، بدلالة قوله: {تجري من تحتها الأنهار}، وقال في ذلك : ((لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْخَبَرَ عَنْ مَاءِ أَنْهَارِهَا أَنَّهُ جَارٍ تَحْتَ أَشْجَارِهَا وَغُرُوسِهَا وَثِمَارِهَا، لَا أَنَّهُ جَارٍ تَحْتَ أَرْضِهَا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ إِذَا كَانَ جَارِيًا تَحْتَ الْأَرْضِ، فَلَا حَظَّ فِيهَا لِعُيُونٍ مِنْ فَوْقِهَا إِلَّا بِكَشْفِ السَّاتِرِ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ. عَلَى أَنَّ الَّذِيَ تُوصَفُ بِهِ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ أَنَّهَا جَارِيَةٌ فِي غَيْرِ أَخَادِيدَ .)) .
وقد أخذ ذلك مما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم أن الأنهار تجري من غير أخاديد، ثم علل بالدلالة العقلية أنه لو كان تحت الأرض لما كان يُرى إلا بكشف الساتر، وهذا هو الأصل، وإلا أحوال الآخرة غير أحوال الدنيا، فقد يكون تحتها ويُرى، لكن دلالة خبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يجري على الأرض تحسم ذلك، ويكون المراد كما قال الطبري أنها تجري المياه تحت أشجار الجنة وغروسها وثمارها من غير أخاديد، لا أنه جار تحت أرضها، ولا شك بأنه أجمل في الرؤية للعين.
واستدل بالأثر المنفرد عن مسروق - وهو من كبار التابعين، وقوله مأخوذ من الأخبار النبوية - ولعل هذا منهج كان يسلكه العلماء فيما هو مشهور من الأخبار.

[1/ 407]

قال الطبري:
((الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا} [البقرة: 25] مِنَ الْجَنَّاتِ، وَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ عَلَى الْجَنَّاتِ، وَإِنَّمَا الْمَعْنِيُّ أَشْجَارُهَا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْ أَشْجَارِ الْبَسَاتِينِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِهِ مِنْ ثَمَرَةٍ مِنْ ثِمَارِهَا رِزْقًا قَالُوا: هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ.)).

التعليق:
موضوع الضمائر في القرآن الكريم مما يحتاج إلى بحث .
وهناك ضمائر متفق على عودها، وهناك ضمائر أخرى مختلف فيها .
وقد ذكر الطبري أن الذي يرزقون من الجنات ثمار الأشجار، والأشجار مجتمعة هي الجنات، فلو قلنا عائدة على الجنات، أو الأشجار فكلاهما صحيح .

قال الطبري:
((ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 25] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَأْوِيلُ ذَلِكَ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلِ هَذَا فِي الدُّنْيَا .
وبإسناده، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا: " {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 25] قَالَ: إِنَّهُمْ أُتُوا بِالثَّمَرَةِ فِي الْجَنَّةِ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهَا قَالُوا: هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ فِي الدُّنْيَا ".
وبإسناده، عَنْ قَتَادَةَ، قَالُوا: " {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 25] : أَيْ فِي الدُّنْيَا ".
وبإسناده، نْ مُجَاهِدٍ، قَالُوا: " {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 25] يَقُولُونَ: مَا أَشْبَهَهُ بِهِ ".
وبإسناده، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، قَالُوا: " {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 25] فِي الدُّنْيَا، قَالَ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] يَعْرِفُونَهُ " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ تَأْوِيلُ ذَلِكَ: هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ مِنْ قَبْلِ هَذَا، لِشِدَّةِ مُشَابَهَةِ بَعْضِ ذَلِكَ فِي اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ بَعْضًا. وَمِنْ عِلَّةِ قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ ثِمَارَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا نُزِعَ مِنْهَا شَيْءٌ عَادَ مَكَانَهُ آخَرُ مِثْلُهُ.
وبإسناده، سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مُرَّةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: " نَخْلُ الْجَنَّةِ نَضِيدٌ مِنْ أَصْلِهَا إِلَى فَرْعِهَا، وَثَمَرُهَا مِثْلُ الْقِلَالِ، كُلَّمَا نُزِعَتْ مِنْهَا ثَمَرَةٌ عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى. قَالُوا: فَإِنَّمَا اشْتُبِهَتْ عِنْدَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، لِأَنَّ الَّتِي عَادَتْ نَظِيرَةُ الَّتِي نُزِعَتْ فَأُكِلَتْ فِي كُلِّ مَعَانِيهَا. قَالُوا: وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] لِاشْتِبَاهِ جَمِيعِهِ فِي كُلِّ مَعَانِيهِ ".
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ قَالُوا: {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 25] لِمُشَابَهَتِهِ الَّذِي قَبْلَهُ فِي اللَّوْنِ وَإِنْ خَالَفَهُ فِي الطَّعْمِ.
وبإسناده، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: " يُؤْتَى أَحَدُهُمْ بِالصَّحْفَةِ فَيَأْكُلُ مِنْهَا، ثُمَّ يُؤْتَى بِأُخْرَى فَيَقُولُ: هَذَا الَّذِي أُتِينَا بِهِ مِنْ قَبْلُ، فَيَقُولُ الْمَلَكُ: كُلْ فَاللَّوْنُ وَاحِدٌ وَالطَّعْمُ مُخْتَلِفٌ " .
وَهَذَا التَّأْوِيلُ مَذْهَبُ مَنْ تَأَوَّلَ الْآيَةَ.
غَيْرَ أَنَّهُ يَدْفَعُ صِحَّتَهُ ظَاهِرَ التِّلَاوَةِ وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ ظَاهِرُ الْآيَةِ وَيُحَقِّقُ صِحَّتَهُ قَوْلُ الْقَائِلِينَ إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ فِي الدُّنْيَا.
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا} [البقرة: 25] فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ مِنَ قِيلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْ ثَمَرِ الْجَنَّةِ رِزْقًا أَنْ يَقُولُوا: هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ.
وَلَمْ يُخَصِّصْ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ قِيلِهِمْ فِي بَعْضِ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ. فَإِذْ كَانَ قَدْ أَخْبَرَ جَلَّ ذِكْرُهُ عَنْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قِيلِهِمْ فِي كُلِّ مَا رُزِقُوا مِنْ ثَمَرِهَا، فَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قِيلِهِمْ فِي أَوَّلِ رِزْقٍ رُزِقُوهُ مِنْ ثِمَارِهَا أُتُوا بِهِ بَعْدَ دُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ وَاسْتِقْرَارِهِمْ فِيهَا، الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْهُ عِنْدَهُمْ مِنْ ثِمَارِهَا ثَمَرَةٌ. فَإِذْ كَانَ لَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قِيلِهِمْ فِي أَوَّلِهِ، كَمَا هُوَ مِنْ قِيلِهِمْ فِي وَسَطِهِ وَمَا يَتْلُوهُ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ مِنْ قِيلِهِمْ لَأَوَّلِ رِزْقٍ رُزِقُوهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ: {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 25] هَذَا مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ. وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَقُولُوا لَأَوَّلِ رِزْقٍ رُزِقُوهُ مِنْ ثِمَارِهَا وَلَمَّا يَتَقَدَّمْهُ عِنْدَهُمْ غَيْرُهُ: هَذَا هُوَ الَّذِي رُزِقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ؛ إِلَّا أَنْ يَنْسِبَهُمْ ذُو غِرَّةٍ وَضَلَالٍ إِلَى قِيلِ الْكَذِبِ الَّذِي قَدْ طَهَّرَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ، أَوْ يَدْفَعُ دَافِعٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ قِيلِهِمْ لَأَوَّلِ رِزْقٍ رُزِقُوهُ مِنْهَا مِنْ ثِمَارِهَا، فَيَدْفَعُ صِحَّةَ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ صِحَّتَهُ بِقَوْلِهِ: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا} [البقرة: 25] مِنْ غَيْرِ نَصْبِ دَلَالَةٍ عَلَى أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ حَالٌ مِنْ أَحْوَالٍ دُونَ حَالٍ. فَقَدْ تَبَيَّنَ بِمَا بَيَّنَّا أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: كُلَّمَا رُزِقَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ ثَمَرَةٍ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ رِزْقًا، قَالُوا: هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْل هَذَا فِي الدُّنْيَا.)).

التعليق:
الاختلاف هنا في القبلية، وقد أورد الرواية عن جماعة من الصحابة والتابعين وأتباعهم، أن القبلية في الدنيا .
وذكر قولاً آخر - وهو عن أبي عبيدة - أن المراد بقوله: {الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْل} القبلية في الجنة، فيكون تشابه الثمار فيها.
وذكر قولًا آخر، وهو أنه متشابه اللون للذي قبله، وإن خالفه في الطعم، وهذا في الحقيقة ليس قولاً مستقلاً، وإنما داخل في القول الذي قبله (أنه في الجنة) وهو قولٌ محتملٌ عنده لولا أن ظاهر التلاوة يدفعه.
ثم رجح القول الأول، وعلل له بأن الإطلاق دل على العموم في الزمن فيشمل الجنة وما قبلها.
ثم أتبع ذلك بحجة عقلية، وقال: (( فَإِذْ كَانَ لَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قِيلِهِمْ فِي أَوَّلِهِ، كَمَا هُوَ مِنْ قِيلِهِمْ فِي وَسَطِهِ وَمَا يَتْلُوهُ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ مِنْ قِيلِهِمْ لَأَوَّلِ رِزْقٍ رُزِقُوهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ: {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 25] هَذَا مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ .. )) أي أن أول رزق رزقوه لابد أن يعود إلى الدنيا، والقول بهذا لا ينفي وقوع رزقهم في الآخرة.

قال الطبري:
((فَإِنْ سَأَلَنَا سَائِلٌ فَقَالَ: وَكَيْفَ قَالَ الْقَوْمُ: {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 25] وَالَّذِي رُزِقُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ عُدِمَ بِأَكْلِهِمْ إِيَّاهُ؟ وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَهْلُ الْجَنَّةِ قَوْلًا لَا حَقِيقَةَ لَهُ؟ قِيلَ: إِنَّ الْأَمْرَ عَلَى غَيْرِ مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: هَذَا مِنَ النَّوْعِ الَّذِي رُزِقْنَاهُ مِنْ قَبْلِ هَذَا مِنَ الثِّمَارِ وَالرِّزْقِ، كَالرَّجُلِ يَقُولُ لِآخَرَ: قَدْ أَعَدَّ لَكَ فُلَانٌ مِنَ الطَّعَامِ كَذَا وَكَذَا مِنْ أَلْوَانِ الطَّبِيخِ وَالشِّوَاءِ وَالْحَلْوَى، فَيَقُولُ الْمَقُولُ لَهُ ذَاكَ: هَذَا طَعَامِي فِي مَنْزِلِي. يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ النَّوْعَ الَّذِي ذَكَرَ لَهُ صَاحِبُهُ أَنَّهُ أَعَدَّهُ لَهُ مِنَ الطَّعَامِ هُوَ طَعَامُهُ، لِأَنَّ أَعْيَانَ مَا أَخْبَرَهُ صَاحِبُهُ أَنَّهُ قَدْ أَعَدَّهُ لَهُ هُوَ طَعَامُهُ. بَلْ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ لِسَامِعٍ سَمِعَهُ يَقُولُ ذَلِكَ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ أَرَادَهُ أَوْ قَصَدَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافَ مَخْرَجِ كَلَامِ الْمُتَكَلِّمُ؛ وَإِنَّمَا يُوَجَّهُ كَلَامُ كُلِّ مُتَكَلِّمٍ إِلَى الْمَعْرُوفِ فِي النَّاسِ مِنْ مَخَارِجِهِ دُونَ الْمَجْهُولِ مِنْ مَعَانِيهِ. فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 25] إِذْ كَانَ مَا كَانُوا رُزِقُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ فَنِيَ وَعَدِمَ؛ فَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ عَنَوْا بِذَلِكَ هَذَا مِنَ النَّوْعِ الَّذِي رُزِقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ، وَمِنْ جِنْسِهِ فِي السِّمَاتِ وَالْأَلْوَانِ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِنَا هَذَا.)).

التعليق:
من الفوائد هنا:
- أن الطبري إذا رد قولًا باطلًا من أقوال أهل البدع لا ينص على أسمائهم، وإنما يرد على أفكارهم الضالة.
- أنه من المهم النظر في الأحوال التي يقف الطبري فيها عند أقوال الصحابي، والأحوال التي ينزل فيها إلى قول التابعي - وهذا في مقام النظر وليس في مقام الخبر - والعلة ذلك.
ويبدو لي - والله أعلم- أنه يأخذ بقول تابعي؛ لأنه يرى أنه قد أخذه من صحابي، وقد تحتف بأقوال التابعين قرائن معينة تدل على أنهم أخذوها من الصحابة.
وقد كان التابعين وعاء لعلوم الصحابة. وهذه مسألة تحليلية ينبغي أن تكون محل دراسة ونظر، لأهميتها.

[1/ 412]

قال الطبري:
((الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] عَائِدَةٌ عَلَى الرِّزْقِ، فَتَأْوِيلُهُ: وَأْتُوا بِالَّذِي رُزِقُوا مِنْ ثِمَارِهَا مُتَشَابِهًا وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَشَابُهُهُ أَنَّ كُلَّهُ خِيَارٌ لَا رَذْلَ فِيهِ.
وبإسناده، عَنِ الْحَسَنِ " فِي قَوْلِهِ: {مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] قَالَ: خِيَارًا كُلَّهَا لَا رَذْلَ فِيهَا ".
وبإسناده، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ: قَرَأَ الْحَسَنُ آيَاتٍ مِنَ الْبَقَرَةِ، فَأَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] قَالَ: أَلَمْ تَرَوْا إِلَى ثِمَارِ الدُّنْيَا كَيْفَ تَرْذُلُونَ بَعْضَهُ؟ وَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ رَذْلٌ ".
وبإسناده، قَالَ الْحَسَنُ: " {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] قَالَ: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا لَيْسَ فِيهِ مِنْ رَذْلٍ ".
وبإسناده، عَنْ قَتَادَةَ: " {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] أَيْ خِيَارًا لَا رَذْلَ فِيهِ، وَإِنَّ ثِمَارَ الدُّنْيَا يُنَقَّى مِنْهَا وَيُرْذَلُ مِنْهَا، وَثِمَارُ الْجَنَّةِ خِيَارٌ كُلُّهُ لَا يُرْذَلُ مِنْهُ شَيْءٌ ".
عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: «ثَمَرُ الدُّنْيَا مِنْهُ مَا يَرْذُلُ وَمِنْهُ نَقَاوَةٌ، وَثَمَرُ الْجَنَّةِ نَقَاوَةٌ كُلُّهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي الطِّيبِ لَيْسَ مِنْهُ مَرْذُولٌ».
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُشَابِهُهُ فِي اللَّوْنِ وَهُوَ مُخْتَلِفٌ فِي الطَّعْمِ
وبإسناده، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] فِي اللَّوْنِ وَالْمَرْأَى، وَلَيْسَ يُشْبِهُ الطَّعْمَ ".
وبإسناده، عَنْ مُجَاهِدٍ: " {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] مِثْلَ الْخِيَارِ ".
وبإسناده، عَنْ مُجَاهِدٍ: " {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] لَوْنُهُ، مُخْتَلِفًا طَعْمُهُ، مِثْلَ الْخِيَارِ مِنَ الْقِثَّاءِ ".
وبإسناده، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: " {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَيَخْتَلِفُ الطَّعْمُ ".
وبإسناده، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " فِي قَوْلِهِ: {مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] قَالَ: مُشْتَبِهًا فِي اللَّوْنِ وَمُخْتَلِفًا فِي الطَّعْمِ ".
وبإسناده، عَنْ مُجَاهِدٍ: " {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] مِثْلَ الْخِيَارِ " .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَشَابَهَ فِي اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ
وبإسناده، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: " {مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] قَالَ: اللَّوْنُ وَالطَّعْمُ ".
وبإسناده، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: " {مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] قَالَا: فِي اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ " .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَشَابُهُهُ تَشَابُهُ ثَمَرِ الْجَنَّةِ وَثَمَرِ الدُّنْيَا فِي اللَّوْنِ وَإِنِ اخْتَلَفَ طُعُومُهُمَا. ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
وبإسناده، عَنْ قَتَادَةَ: " {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] قَالَ: يُشْبِهُ ثَمَرَ الدُّنْيَا غَيْرَ أَنَّ ثَمَرَ الْجَنَّةِ أَطْيَبُ ".
وبإسناده، عَنْ عِكْرِمَةَ، " فِي قَوْلِهِ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] قَالَ: يُشْبِهُ ثَمَرَ الدُّنْيَا، غَيْرَ أَنَّ ثَمَرَ الْجَنَّةِ أَطْيَبُ " .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُشْبِهُ شَيْءٌ مِمَّا فِي الْجَنَّةِ مَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا الْأَسْمَاءَ:
وبإسناده، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ فِي حَدِيثِهِ عَنِ الْأَشْجَعِيِّ: «لَا يُشْبِهُ شَيْءٌ مِمَّا فِي الْجَنَّةِ مَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا الْأَسْمَاءَ» ، وَقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ فِي حَدِيثِهِ عَنْ مُؤَمَّلٍ قَالَ: «لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْجَنَّةِ إِلَّا الْأَسْمَاءَ».
وبإسناده، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْجَنَّةِ شَيْءٌ إِلَّا الْأَسْمَاءَ».
وبإسناده، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ " فِي قَوْلِهِ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] قَالَ: يَعْرِفُونَ أَسْمَاءَهُ كَمَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا، التُّفَّاحَ بِالتُّفَّاحِ، وَالرُّمَّانَ بِالرُّمَّانِ، قَالُوا فِي الْجَنَّةِ: {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 25] فِي الدُّنْيَا {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] يَعْرِفُونَهُ، وَلَيْسَ هُوَ مِثْلَهُ فِي الطَّعْمِ " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ، تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] فِي اللَّوْنِ وَالْمَنْظَرِ، وَالطَّعْمِ مُخْتَلِفٌ. يَعْنِي بِذَلِكَ اشْتِبَاهَ ثَمَرِ الْجَنَّةِ وَثَمَرِ الدُّنْيَا فِي الْمَنْظَرِ وَاللَّوْنِ، مُخْتَلِفًا فِي الطَّعْمِ وَالذَّوْقِ؛ لِمَا قَدَّمْنَا مِنَ الْعِلَّةِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 25] وَأَنَّ مَعْنَاهُ: كُلَّمَا رُزِقُوا مِنَ الْجِنَّانِ مِنْ ثَمَرَةٍ مِنْ ثِمَارِهَا رِزْقًا قَالُوا: هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ هَذَا فِي الدُّنْيَا.
فَأَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ أُتُوا بِمَا أُتُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ مُتَشَابِهًا، يَعْنِي بِذَلِكَ تَشَابُهَ مَا أُتُوا بِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ وَالَّذِي كَانُوا رُزِقُوهُ فِي الدُّنْيَا فِي اللَّوْنِ وَالْمَرْأَى وَالْمَنْظَرِ وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الطَّعْمِ وَالذَّوْقِ فَتَبَايَنَا، فَلَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ مِمَّا فِي الْجَنَّةِ مِنْ ذَلِكَ نَظِيرٌ فِي الدُّنْيَا. وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 25] إِنَّمَا هُوَ قَوْلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي تَشْبِيهِهِمْ بَعْضَ ثَمَرَاتِ الْجَنَّةِ بِبَعْضٍ، وَتِلْكَ الدَّلَالَةُ عَلَى فَسَادِ ذَلِكَ الْقَوْلِ هِيَ الدَّلَالَةُ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ خَالَفَ قَوْلَنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنِ الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ قَالَ الْقَوْمُ: {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 25] بِقَوْلِهِ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] وَيَسْأَلُ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَيَزْعُمُ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِمَّا فِي الْجَنَّةِ نَظِيرَ الشَّيْءِ مِمَّا فِي الدُّنْيَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَيُقَالُ لَهُ: أَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَسْمَاءُ مَا فِي الْجَنَّةِ مِنْ ثِمَارِهَا وَأَطْعِمَتِهَا وَأَشْرِبَتِهَا نَظَائِرَ أَسْمَاءِ مَا فِي الدُّنْيَا مِنْهَا؟ فَإِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ خَالَفَ نَصَّ كِتَابِ اللَّهِ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا عَرَّفَ عِبَادَهُ فِي الدُّنْيَا مَا هُوَ عِنْدَهُ فِي الْجَنَّةِ بِالْأَسْمَاءِ الَّتِي يُسَمِّي بِهَا مَا فِي الدُّنْيَا مِنْ ذَلِكَ.
وَإِنْ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ، بَلْ هُوَ كَذَلِكَ قِيلَ: فَمَا أَنْكَرْتَ أَنْ يَكُونَ أَلْوَانُ مَا فِيهَا مِنْ ذَلِكَ نَظَائِرُ أَلْوَانِ مَا فِي الدُّنْيَا مِنْهُ بِمَعْنَى الْبَيَاضِ وَالْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ وَسَائِرِ صُنُوفِ الْأَلْوَانِ وَإِنْ تَبَايَنَتْ فَتَفَاضَلَتْ بِفَضْلِ حُسْنِ الْمَرْآةِ وَالْمَنْظَرِ، فَكَانَ لِمَا فِي الْجَنَّةِ مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْبَهَاءِ وَالْجَمَالِ وَحُسْنِ الْمَرْآةِ وَالْمَنْظِرِ خِلَافَ الَّذِي لِمَا فِي الدُّنْيَا مِنْهُ كَمَا كَانَ جَائِزًا ذَلِكَ فِي الْأَسْمَاءِ مَعَ اخْتِلَافِ الْمُسَمَّيَاتِ بِالْفَضْلِ فِي أَجْسَامِهَا؟ ثُمَّ يَعْكِسُ عَلَيْهِ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ، فَلَنْ يَقُولَ فِي أَحَدِهِمَا شَيْئًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ.
وَكَانَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ يَقُولُ فِي ذَلِكَ بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ قَسَامَةَ، عَنِ الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَمَّا أَخْرَجَ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ زَوَّدَهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَعَلَّمَهُ صَنْعَةَ كُلِّ شَيْءٍ، فَثِمَارُكُمْ هَذِهِ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ تَغَيَّرُ وَتِلْكَ لَا تَغَيَّرُ».
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] أَنَّهُ مُتَشَابِهٌ فِي الْفَضْلِ: أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُ لَهُ مِنَ الْفَضْلِ فِي نَحْوِهِ مِثْلُ الَّذِي لِلْآخَرِ فِي نَحْوِهِ.: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَلَيْسَ هَذَا قَوْلًا نَسْتَجِيزُ التَّشَاغُلَ بِالدَّلَالَةِ عَلَى فَسَادِهِ لِخُرُوجِهِ عَنْ قَوْلِ جَمِيعِ عُلَمَاءِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، وَحَسْبُ قَوْلٍ بِخُرُوجِهِ عَنْ قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ دَلَالَةً عَلَى خَطَئِهِ.)).

التعليق:
قد أطال هنا - رحمه الله- في ذكر الأقوال والتعليلات، وهذه الطريقة تذكرنا بقوله لطلابه:( هل تنشطون لكتابة..) ولو سلك هذه الطريقة في تفسيره كله؛ لكان أضعاف تفسيره هذا بكثير.
والتأويلات التي ذكرها هنا الطبري متقاربة، ومرد التشابه فيها أنها خيارٌ ليس فيها رذل .
وقوله: ((قَرَأَ الْحَسَنُ آيَاتٍ مِنَ الْبَقَرَةِ)) هذا يدخل في مجالس التلاوة، فأصل المجلس كان للتلاوة، ثم استطرد الحسن لهذا المعنى، وقال: (خِيَارًا كُلَّهَا لَا رَذْلَ فِيهَا) وهو قولٌ صحيحٌ في ذاته، وكذلك المعنى الذي ذكره عن السدي ومجاهد، والربيع، أن: (تُشَابِهُهُ فِي اللَّوْنِ وَهُوَ مُخْتَلِفٌ فِي الطَّعْمِ) صحيحٌ في ذاته.
وأورد ابن جرير بعد ذلك أقوالاً أخرى، وهي صادقة في توصيف ثمار الجنة؛ لكن ابن جرير لما اختار قولاً في القبلية بنى عليه نوع التشابه، ولذلك قال: ((وَأَوْلَى هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ، تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] فِي اللَّوْنِ وَالْمَنْظَرِ، وَالطَّعْمِ مُخْتَلِفٌ. يَعْنِي بِذَلِكَ اشْتِبَاهَ ثَمَرِ الْجَنَّةِ وَثَمَرِ الدُّنْيَا فِي الْمَنْظَرِ وَاللَّوْنِ، مُخْتَلِفًا فِي الطَّعْمِ وَالذَّوْقِ؛ لِمَا قَدَّمْنَا مِنَ الْعِلَّةِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 25] وَأَنَّ مَعْنَاهُ: كُلَّمَا رُزِقُوا مِنَ الْجِنَّانِ مِنْ ثَمَرَةٍ مِنْ ثِمَارِهَا رِزْقًا قَالُوا: هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ هَذَا فِي الدُّنْيَا.)).
وبناء على هذا رد على من قال أنها في الدنيا دون الآخرة، واحتج عليه مستخدمًا أسلوبًا احتجاجيًا يسلكه كثيرًا في كتابه مع من يخالفه.
وحتى يثبت ما ذكره - من كون ثمار الجنة تشبه ما في الدنيا - دلل برواية أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: «إِنَّ اللَّهَ لَمَّا أَخْرَجَ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ زَوَّدَهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَعَلَّمَهُ صَنْعَةَ كُلِّ شَيْءٍ، فَثِمَارُكُمْ هَذِهِ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ تَغَيَّرُ وَتِلْكَ لَا تَغَيَّر.)).
ثم انتقل إلى الاعتراض على بعض أهل العربية، فقال: ((وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] أَنَّهُ مُتَشَابِهٌ فِي الْفَضْلِ: أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُ لَهُ مِنَ الْفَضْلِ فِي نَحْوِهِ مِثْلُ الَّذِي لِلْآخَرِ فِي نَحْوِهِ.: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَلَيْسَ هَذَا قَوْلًا نَسْتَجِيزُ التَّشَاغُلَ بِالدَّلَالَةِ عَلَى فَسَادِهِ لِخُرُوجِهِ عَنْ قَوْلِ جَمِيعِ عُلَمَاءِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، وَحَسْبُ قَوْلٍ بِخُرُوجِهِ عَنْ قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ دَلَالَةً عَلَى خَطَئِهِ )) أي أن هذا القول مخالف؛ لخروجه عن قول أهل التأويل- مع أن أقوالهم قد اختلفت-؛ لأن من لازم قول صاحب العربية مخالفة جميع الأقوال التي نقلها الطبري، والتي كان الاختلاف فيها نوعٌ من الاجماع- وهذا للأسف يخفى على بعض المتأخرين - فمادام أن اللازم باطل، فالقول الذي يحمل عليه باطل أيضًا، وهذه قاعدة مهمة، وهي أن: القول الذي يبطل أقوال السلف يحمل بطلانه بذاته.

[1/ 419]

قال الطبري:
((الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} [البقرة: 25] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ اللَّتَانِ فِي لَهُمْ عَائِدَتَانِ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ اللَّتَانِ فِي فِيهَا عَائِدَتَانِ عَلَى الْجَنَّاتِ. وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ. وَالْأَزْوَاجُ جَمْعُ زَوْجٍ، وَهِيَ امْرَأَةُ الرَّجُلِ يُقَالُ: فُلَانَةٌ زَوْجُ فُلَانٍ وَزَوْجَتُهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ {مُطَهَّرَةٌ} [البقرة: 25] فَإِنَّ تَأْوِيلَهُ أَنَّهُنَّ طَهُرْنَ مِنْ كُلِّ أَذًى وَقَذًى وَرِيبَةٍ، مِمَّا يَكُونُ فِي نِسَاءِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالْمُخَاطِ وَالْبُصَاقِ وَالْمَنِيِّ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَذَى وَالْأَدْنَاسِ وَالرِّيَبِ وَالْمَكَارِهِ .
وبإسناده، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَمَّا {أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} [البقرة: 25] فَإِنَّهُنَّ لَا يَحِضْنَ وَلَا يُحْدِثْنَ وَلَا يَتَنَخَّمْنَ ".
وبإسناده، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " قَوْلُهُ: {أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} [البقرة: 25] يَقُولُ: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الْقَذَرِ وَالْأَذَى ".
وبإسناده، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} [البقرة: 25] قَالَ: لَا يَبُلْنَ وَلَا يَتَغَوَّطْنَ وَلَا يَمْذِينَ " وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، نَحْوَهُ، إِلَّا أَنَّهُ زَادَ فِيهِ: «وَلَا يَمْنِينَ وَلَا يَحِضْنَ».
وبإسناده، عَنْ مُجَاهِدٍ: " فِي قَوْلِ اللَّهِ: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} [البقرة: 25] قَالَ: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الْحَيْضِ وَالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالنِّخَامِ وَالْبُزَاقِ وَالْمَنِيِّ وَالْوَلَدِ ".
وبإسناده، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «لَا يَبُلْنَ وَلَا يَتَغَوَّطْنَ، وَلَا يَحِضْنَ، وَلَا يَلِدْنَ، وَلَا يَمْنِينَ، وَلَا يَبْزُقْنَ».
وبإسناده، عَنْ قَتَادَةَ: " {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} [البقرة: 25] إِي وَاللَّهِ مِنَ الْإِثْمِ وَالْأَذَى ".
وبإسناده، عَنْ قَتَادَةَ " فِي قَوْلِهِ: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} [البقرة: 25] قَالَ: طَهَّرَهُنَّ اللَّهُ مِنْ كُلِّ بَوْلٍ وَغَائِطٍ وَقَذَرٍ، وَمِنْ كُلِّ مَأْثَمٍ ".
وبإسناده، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «مُطَهَّرَةٌ مِنَ الْحَيْضِ وَالْحَبَلِ، وَالْأَذَى».
وبإسناده، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «الْمُطَهَّرَةُ مِنَ الْحَيْضِ وَالْحَبَلِ».
وبإسناده، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ: " {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} [البقرة: 25] قَالَ الْمُطَهَّرَةُ: الَّتِي لَا تَحِيضُ؛ قَالَ: وَأَزْوَاجُ الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِمُطَهَّرَةٍ، أَلَا تَرَاهُنَّ يَدْمِينَ وَيَتْرُكْنَ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ؟ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: وَكَذَلِكَ خُلِقَتْ حَوَّاءُ حَتَّى عَصَتْ، فَلَمَّا عَصَتْ قَالَ اللَّهُ: إِنِّي خَلَقْتُكِ مُطَهَّرَةً وَسَآدَمَيكِ كَمَا آدَمَيْتُ هَذِهِ الشَّجَرَةَ ".
وبإسناده، عَنِ الْحَسَنِ: " فِي قَوْلِهِ {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} [البقرة: 25] قَالَ: يَقُولُ: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الْحَيْضِ ".
وبإسناده، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الْحَسَنِ: " فِي قَوْلِهِ: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} [البقرة: 25] قَالَ: مِنَ الْحَيْضِ ".
وبإسناده، عَنْ عَطَاءٍ: " قَوْلُهُ: {لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} [النساء: 57] قَالَ: مِنَ الْوَلَدِ وَالْحَيْضِ وَالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ " وَذَكَرَ أَشْيَاءَ مِنْ هَذَا النَّحْوِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 25] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي الْجَنَّاتِ خَالِدُونَ، فَالْهَاءُ وَالْمِيمُ مِنْ قَوْلِهِ {وَهُمْ} [البقرة: 25] عَائِدَةٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ فِي فِيهَا عَلَى الْجَنَّاتِ، وَخُلُودُهُمْ فِيهَا: دَوَامُ بَقَائِهِمْ فِيهَا عَلَى مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ فِيهَا مِنَ الْحِبَرَةِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ .)).

التعليق:
الطهارة التي ذكرها السلف لا تخرج عن معنيين اثنين:
1- الطهارة الحسية .
2- الطهارة المعنوية .
فائدة:

دل على عموم الطهارة أنه لم يقيدها بنوع معين، فالإطلاق طريق التعميم، وهذا الذي جعلنا نقول أن الطهارة تشمل الأمرين.
وفِي تأويل قَولِه تَعَالَى: {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 25] اعتنى الطبري بالضمائر وعودها .


الرئيسية | الموقع كاملاً