موقع الدكتور مساعد الطيار - النسخة الكفية
الرئيسية

التعليق على تفسير ابن جرير الطبري المجلس السابع والعشرون: (3 - 1 - 1436)

المجلس السابع والعشرون: (3 - 1 - 1436)

اعتنى به: عمرو الشرقاوي

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

[1/ 402]
قال الطبري رحمه الله:
((الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَعْنِي تَعَالَى بِقَوْلِهِ: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا} [البقرة: 24] إِنْ لَمْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، وَقَدْ تَظَاهَرْتُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ عَلَيْهِ وَأَعْوَانُكُمْ فَتَبَيَّنَ لَكُمْ بِامْتِحَانِكُمْ وَاخْتِبَارِكُمْ عَجْزُكُمْ وَعَجْزُ جَمِيعِ خَلْقِي عَنْهُ، وَعَلِمْتُمْ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِي، ثُمَّ أَقَمْتُمْ عَلَى التَّكْذِيبِ بِهِ. وَقَوْلُهُ: {وَلَنْ تَفْعَلُوا} [البقرة: 24] أَيْ لَنْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ أَبَدًا.
وبإسناده، عن قتادة: "فإن لم تفعلوا ولنْ تفعلوا"، أي لا تقدرون على ذلك ولا تطيقونه .
وبإسناده، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا"، فقد بَين لكم الحق .)).

التعليق:
قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا}، دليل أنهم لم يقدموا على هذا الفعل، وفيه دليل أنهم علموا أنه من عند الله .
وفيه دليل أيضًا على كون القرآن من عند الله إذ أنه أخبر بكونهم لن يفعلوه في المستقبل، فقال سبحانه: {وَلَنْ تَفْعَلُوا}.
وقول ابن جرير: ((يَعْنِي تَعَالَى بِقَوْلِهِ: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا} [البقرة: 24] إِنْ لَمْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، وَقَدْ تَظَاهَرْتُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ عَلَيْهِ وَأَعْوَانُكُمْ فَتَبَيَّنَ لَكُمْ بِامْتِحَانِكُمْ وَاخْتِبَارِكُمْ عَجْزُكُمْ وَعَجْزُ جَمِيعِ خَلْقِي عَنْهُ، وَعَلِمْتُمْ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِي..)) معناه: أن هذا من لازم الخبر عنه سبحانه، وذلك أنه قد تحداهم ولم يستطيعوا، فعجزهم على هذا التحدي فيه دلالة على أن القرآن من عنده سبحانه.

فائدة:
وهذه الآية يمكن الاستدلال بها على المنصرين وأشباههم، وذلك في قولهم: أن القرآن من عند النبي صلى الله عليه وسلم.
والاحتجاج عليهم بها في كونه صلى الله عليه وسلم قد تحدى بها قومه وهو في مرحلة ضعف، ومع ذلك لم يستطيعوا أن يجابههوه = فدل هذا على أن القرآن ليس من عنده.
وأخبار القرآن عن المغيبات، ووقوعها = من دلائل الصدق، ولا يوجد غيب أخبر به القرآن فوقع الأمر بخلافه، وهذا من أعظم الفوارق بين النبي والكاهن .

ومن القواعد العامة التي ينبغي التنبيه عليها هنا:
أنه في حال الحديث عن المعجزة لا يصح أن نتكلم في آيات الأنبياء كلاماً عقلياً بدون الرجوع للآيات التي تحدثت عن ذلك، فتقعيد القواعد العقلية بعيد عن الآيات هو من عمل أهل الاعتزال.

فوائد عن المعجزة والإعجاز:
يمكن بحث المعجزة والإعجاز والقضايا المتعلقة بها عبر محطات متنوعة، منها:
1- البحث التفسيري .
2- البحث البلاغي .
3- البحث العقدي .
فمن الجانب التفسيري، يمكننا أن نقول: إن الجانب التفسيري يتعلق: بإدراك المعنى الموجود في الآيات، ثم ننتقل إلى البحث البلاغي وهو: إبراز ما في كتاب الله تعالى من بلاغة، ومهما تكلم فيه المتكلم فلن يصل إلى ما يسمى عند بعضهم بـ (سر الإعجاز) !
أما الجانب العقدي، وهو: الاحتجاج بالمعجزة على النبوة .
ولو تأملنا: فإننا لا نجد أنهم يحتجون بهذا الدليل فحسب على الإيمان، إنما هو أحد الطرق .
ومن أوسع السبل في دعوة الناس هي الأحوال، سماحة الشريعة، وما فيها من يسر وسهولة .. إلى آخره .

[1/ 403]
قال الطبري:
((الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [البقرة: 24] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {فَاتَّقُوا النَّارَ} [البقرة: 24] يَقُولُ: فَاتَّقُوا أَنْ تُصْلَوُا النَّارَ بِتَكْذِيبِكُمْ رَسُولِي بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي أَنَّهُ مِنْ وَحْيِي وَتَنْزِيلِي، بَعْدَ تَبَيُّنِكُمْ أَنَّهُ كِتَابِي وَمِنْ عِنْدِي، وَقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْكُمْ بِأَنَّهُ كَلَامِي وَوَحْيِي، بِعَجْزِكُمْ وَعَجْزِ جَمِيعِ خَلْقِي عَنْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ. ثُمَّ وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ النَّارَ الَّتِي حَذَّرَهُمْ صِلِيِّهَا، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ النَّاسَ وَقُودُهَا، وَأَنَّ الْحِجَارَةَ وَقُودُهَا، فَقَالَ: {الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [البقرة: 24] يَعْنِي بِقَوْلِهِ وَقُودُهَا: حَطَبُهَا، وَالْعَرَبُ تَجْعَلُهُ مَصْدَرًا، وَهُوَ اسْمٌ إِذَا فُتِحَتِ الْوَاوُ بِمَنْزِلَةِ الْحَطَبِ، فَإِذَا ضُمَّتِ الْوَاوُ مِنَ الْوَقُودِ كَانَ مَصْدَرًا مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: وُقِدَتِ النَّارُ فَهِيَ تُقَدُ وُقُودًا وَقِدَةً وَوُقْدَانًا وَوَقْدًا، يُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهَا الْتَهَبَتْ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ خُصَّتِ الْحِجَارَةُ فَقُرِنَتْ بِالنَّاسِ حَتَّى جُعِلَتْ لِنَارِ جَهَنَّمَ حَطَبًا؟ قِيلَ: إِنَّهَا حِجَارَةُ الْكِبْرِيتِ، وَهِيَ أَشَدُّ الْحِجَارَةِ فِيمَا بَلَغَنَا حَرًّا إِذَا أُحْمِيَتْ .
وبإسناده، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، فِي قَوْلِهِ: " {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [البقرة: 24] قَالَ: هِيَ حِجَارَةٌ مِنْ كِبْرِيتٍ خَلَقَهَا اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا يَعُدُّهَا لِلْكَافِرِينَ ".
وبإسناده، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فِي قَوْلِهِ: " {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [البقرة: 24] قَالَ: حِجَارَةُ الْكِبْرِيتِ جَعَلَهَا اللَّهُ كَمَا شَاءَ ".
وبإسناده، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [البقرة: 24] أَمَّا الْحِجَارَةُ فَهِيَ حِجَارَةٌ فِي النَّارِ مِنْ كِبْرِيتٍ أَسْوَدَ يُعَذَّبُونَ بِهِ مَعَ النَّارِ ".
وبإسناده، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، " فِي قَوْلِهِ: {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [البقرة: 24] قَالَ: حِجَارَةٌ مِنْ كِبْرِيتٍ أَسْوَدَ فِي النَّارِ. قَالَ: وَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: حِجَارَةٌ أَصْلَبُ مِنْ هَذِهِ وَأَعْظَمُ ".
وبإسناده، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «حِجَارَةٌ مِنَ الْكِبْرِيتِ خَلَقَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ كَيْفَ شَاءَ وَكَمَا شَاءَ».)).

التعليق:
ربط ابن جرير رحمه الله المعنى في هذه الآية بما قبلها، فقال:(( يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {فَاتَّقُوا النَّارَ} [البقرة: 24] يَقُولُ: فَاتَّقُوا أَنْ تُصْلَوُا النَّارَ بِتَكْذِيبِكُمْ رَسُولِي بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي أَنَّهُ مِنْ وَحْيِي وَتَنْزِيلِي، بَعْدَ تَبَيُّنِكُمْ أَنَّهُ كِتَابِي وَمِنْ عِنْدِي، وَقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْكُمْ بِأَنَّهُ كَلَامِي وَوَحْيِي، بِعَجْزِكُمْ وَعَجْزِ جَمِيعِ خَلْقِي عَنْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ)).
وقوله تعالى: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}، أي: بالإيمان بي وبما أنزلت .
وهنا مسألة، وهي:
لماذا قيدت بحجارة الكبريت مع أن الله أطلق ؟
والجواب: أن الصحابة مصدرٌ من مصادر التفسير، وأقوالهم هنا وقع فيها التقييد، بلا خلاف بينهم، وتابعهم على ذلك من جاء بعدهم من التابعين وأتباعهم، زيادة على أنه ليس فيها شبهة الخبر الإسرائيلي، ولذا يلزمنا الأخذ بهذا التقييد وعدم الاعتراض عليه.

[1/ 405]
قال الطبري:
((الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24] قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ السَّاتِرُ شَيْئًا بِغِطَاءٍ، وَأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا سَمَّى الْكَافِرَ كَافِرًا لِجُحُودِهِ آلَاءَهُ عِنْدَهُ، وَتَغْطِيَتِهِ نَعْمَاءَهُ قِبَلَهُ فَمَعْنَى قَوْلِهِ إِذًا: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24] أُعِدَّتِ النَّارُ لِلْجَاحِدِينَ أَنَّ اللَّهَ رَبَّهُمُ الْمُتَوَحِّدُ بِخَلْقِهِمْ وَخَلْقِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، الَّذِي جَعَلَ لَهُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا، وَالسَّمَاءَ بِنَاءً، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً، فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَهُمْ، الْمُشْرِكِينَ مَعَهُ فِي عِبَادَتِهِ الْأَنْدَادَ وَالْآلِهَةَ، وَهُوَ الْمُتَفَرِّدُ لَهُمْ بِالْإِنْشَاءِ وَالْمُتَوَحِّدُ بِالْأَقْوَاتِ وَالْأَرْزَاقِ .
وبإسناده، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24] أَيْ لِمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ ".)).

التعليق:
يلاحظ ان ابن جرير له إحالات كثيرة([1])، فهنا أحال، فقال: (( قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ السَّاتِرُ شَيْئًا بِغِطَاءٍ..)) وهذا في قوله - في طبعة التركي (1/ 262)- : (( وَأَمَّا مَعْنَى الْكُفْرِ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 6] فَإِنَّهُ الْجُحُودُ. وَذَلِكَ أَنَّ الْأَحْبَارَ مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ جَحَدُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَتَرُوهُ عَنِ النَّاسِ وَكَتَمُوا أَمْرَهُ، وَهُمْ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَأَصْلُ الْكُفْرِ عِنْدَ الْعَرَبِ تَغْطِيَةُ الشَّيْءِ وَلِذَلِكَ سَمُّوا اللَّيْلَ كَافِرًا لِتَغْطِيَةِ ظُلْمَتِهِ مَا لَبِسَتْهُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
فَتَذَكَّرَا ثِقْلًا رَثِيدًا بَعْدَ مَا ... أَلْقَتْ ذُكَاءُ يَمِينِهَا فِي كَافِرِ
وَقَالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ:
فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا
يَعْنِي غَطَّاهَا. فَكَذَلِكَ الْأَحْبَارُ مِنَ الْيَهُودِ غَطَّوْا أَمْرَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَتَمُوهُ النَّاسَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ وُوُجُودِهِمْ صِفَتَهُ فِي كُتُبِهِمْ. فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيهِمْ: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159] وَهُمُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6] )).
وهو هنا يرى أن الآية في كفار اليهود، وليست في مطلق الكفار، فجعلها من العام المراد به الخصوص.
وقوله: (( فَمَعْنَى قَوْلِهِ إِذًا: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24] أُعِدَّتِ النَّارُ لِلْجَاحِدِينَ أَنَّ اللَّهَ رَبَّهُمُ الْمُتَوَحِّدُ بِخَلْقِهِمْ وَخَلْقِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، الَّذِي جَعَلَ لَهُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا، وَالسَّمَاءَ بِنَاءً، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً، فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَهُمْ، الْمُشْرِكِينَ مَعَهُ فِي عِبَادَتِهِ الْأَنْدَادَ وَالْآلِهَةَ، وَهُوَ الْمُتَفَرِّدُ لَهُمْ بِالْإِنْشَاءِ وَالْمُتَوَحِّدُ بِالْأَقْوَاتِ وَالْأَرْزَاقِ)) .
يلاحظ أن ابن جرير بعد أن ذكر أن الكافر هو من جحد آلاء ربه، ولذلك سمي كافراً؛ ربط معنى هذه الآية بمعاني الآيات السابقة لها، في تسلسل جميل منه رحمه الله.
والمقصود بتفسير ابنِ عَبَّاسٍ: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24] أَيْ لِمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ ".)).
يعني أن الآية وإن كانت نازلة في كفار مكة لكنها كذلك في غيرهم من الكفار، وهذا ما يسمى بالإظهار في مقام الإضمار، ومن فوائده هنا: تعميم الصفة، فيدخل في هذه الصفة كل من اتصف بها.



(([1])) ومن محاسن تحقيق محمود شاكر - وكذلك تحقيق التركي- جمعه لهذه الإحالات .


الرئيسية | الموقع كاملاً