موقع الدكتور مساعد الطيار - النسخة الكفية
الرئيسية

التعليق على تفسير ابن جرير الطبري المجلس السادس والعشرون: (26 - 12 - 1435)

المجلس السادس والعشرون: (26 - 12 - 1435)

اعتنى به: عمرو الشرقاوي

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
تكلم الشيخ في هذه المحاضرة عن مسألة الإعجاز والمعجزة .
وهذا تلخيص لبعض الأفكار في بحث مسألة المعجزة والإعجاز:
1- أصل الإشكال في باب الإعجاز مبني على كلام المعتزلة، ومن تبعهم من أهل الكلام، وغالب هؤلاء بحثهم عن هذه الموضوعات بحثًا عقليًا مجردًا عن واقع الشريعة.
2- يحسن بمن يريد أن يتكلم عن (الإعجاز - الإسرائيليات - العصمة)، أن يعتمد على استقراء الشرع، وألا يعتمد على قواعد ذهنية سابقة قدر استطاعته .
3- لا بد من الرجوع لآثار الصحابة وأتباعهم لبناء هذه المسائل على كلامهم بلا شطط .
4- مصطلح الإعجاز لم يرد في الكتاب ولا السنة ولا في أقوال الصحابة والتابعين وأتباعهم .
5- نشأ مصطلح الإعجاز عند المعتزلة، في القرن الثاني وما بعده .
6- من أفضل من نبه على نشأة مصطلح الإعجاز وما يدار حوله العلامة محمود شاكر، وبحثه يحتاج إلى تكميل .
7- اضطر المعتزلة إلى القول بالإعجاز نتيجة لقولهم بخلق القرآن، ولذلك فإن أنسب قول لقولهم بخلق القرآن هو القول بالصرفة !
8- المقابل لاصطلاح المعجزة في لسان الشرع: (الحجة - البرهان - السلطان)، وأكثر ما ورد مصطلح (الآية).
9- لم يقع التحدي بالآيات إلا بالقرآن، ولا يلزم التحدي بالآيات، إلا أنه لا يمكن الإتيان بآية مثل آيات الأنبياء، وما يظهر من كرامة على يد بعض الأولياء دليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فلولا اتباعهم للنبي ما نالوا هذه الكرامة.

[1/ 399]
قال الطبري:
((وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 23].
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِمَا حَدَّثَنَا بِهِ، وبإسناده، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [البقرة: 23] يَعْنِي أَعْوَانَكُمْ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 23] ".
وبإسناده، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ} [البقرة: 23] نَاسٌ يَشْهَدُونَ ".
وبإسناده، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «قَوْمٌ يَشْهَدُونَ لَكُمْ».
وبإسناده، عَنْ مُجَاهِدٍ: " {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ} [البقرة: 23] قَالَ: نَاسٌ يَشْهَدُونَ ".
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: «شُهَدَاءَكُمْ عَلَيْهَا إِذَا أَتَيْتُمْ بِهَا أَنَّهَا مِثْلُهُ مِثْلُ الْقُرْآنِ» وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ لِمَنْ شَكَّ مِنَ الْكُفَّارِ فِيمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَوْلُهُ: {وَادْعُوا} [البقرة: 23] يَعْنِي اسْتَنْصِرُوا وَاسْتَعِينُوا. كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
فَلَمَّا الْتَقَتْ فُرْسَانُنَا وَرِجَالُهُمْ ... دَعُوا يَا لَكَعْبٍ وَاعْتَزَيْنَا لِعَامِرِ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: دَعُوا يَا لَكَعْبٍ: اسْتَنْصَرُوا كَعْبًا وَاسْتَعَانُوا بِهِمْ وَأَمَّا الشُّهَدَاءُ فَإِنَّهَا جَمْعُ شَهِيدٍ، كَالشُّرَكَاءِ جَمْعُ شَرِيكٍ، وَالْخُطَبَاءُ جَمْعُ خَطِيبٍ. وَالشَّهِيدُ يُسَمَّى بِهِ الشَّاهِدُ عَلَى الشَّيْءِ لِغَيْرِهِ بِمَا يُحَقِّقُ دَعْوَاهُ، وَقَدْ يُسَمَّى بِهِ الْمَشَاهِدُ لِلشَّيْءِ كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ جَلِيسُ فُلَانٍ، يَعْنِي بِهِ مُجَالِسُهُ، وَنَدِيمُهُ يَعْنِي بِهِ مُنَادَمَهُ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ: شَهِيدُهُ يَعْنِي بِهِ مُشَاهِدَهُ.
فَإِذَا كَانَتِ الشُّهَدَاءُ مُحْتَمِلَةً أَنْ تَكُونَ جَمْعَ الشَّهِيدِ الَّذِي هُوَ مُنْصَرِفٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفْتُ، فَأَوْلَى وَجْهَيْهِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: وَاسْتَنْصِرُوا عَلَى أَنْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ أَعْوَانَكُمْ وَشُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يُشَاهِدُونَكُمْ وَيُعَاوِنُونَكُمْ عَلَى تَكْذِيبِكُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُظَاهِرُونَكُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ وَنِفَاقِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُحِقِّينَ فِي جُحُودِكُمْ أَنَّ مَا جَاءَكُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتِلَاقٌ وَافْتِرَاءٌ، لِتَمْتَحِنُوا أَنْفُسَكُمْ وَغَيْرَكُمْ: هَلْ تَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فَيَقْدِرُ مُحَمَّدٌ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِهِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ اخْتِلَاقًا؟ وَأَمَّا مَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فَلَا وَجْهَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْنَافًا ثَلَاثَةً: أَهْلُ إِيمَانٍ صَحِيحٍ، وَأَهْلُ كُفْرٍ صَحِيحٍ، وَأَهْلُ نِفَاقٍ بَيْنَ ذَلِكَ. فَأَهْلُ الْإِيمَانِ كَانُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ مُؤْمِنِينَ، فَكَانَ مِنَ الْمِحَالِ أَنْ يَدَّعِيَ الْكُفَّارُ أَنَّ لَهُمْ شُهَدَاءَ، عَلَى حَقِيقَةِ مَا كَانُوا يَأْتُونَ بِهِ لَوْ أَتَوْا بِاخْتِلَاقٍ مِنَ الرِّسَالَةِ، ثُمَّ ادَّعَوْا أَنَّهُ لِلْقُرْآنِ نَظِيرٌ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَأَمَّا أَهْلُ النِّفَاقِ وَالْكُفْرِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ لَوْ دُعُوا إِلَى تَحْقِيقِ الْبَاطِلِ وَإِبْطَالِ الْحَقِّ لَسَارَعُوا إِلَيْهِ مَعَ كُفْرِهِمْ وَضَلَالِهِمْ، فَمِنْ أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ كَانَتْ تَكُونُ شُهَدَاؤُكُمْ لَوِ ادَّعَوْا أَنَّهُمْ قَدْ أَتَوْا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِ الْقُرْآنِ؟ وَلَكِنَّ ذَلِكَ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88] فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ مِثْلَ الْقُرْآنِ لَا يَأْتِي بِهِ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ وَلَوْ تَظَاهَرُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ؛ وَتَحَدَّاهُمْ بِمَعْنَى التَّوْبِيخِ لَهُمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 23] يَعْنِي بِذَلِكَ: إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ فِي صِدْقِ مُحَمَّدٍ فِيمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي أَنَّهُ مِنْ عِنْدِي، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، وَلْيَسْتَنْصِرْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا عَلَى ذَلِكَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي زَعْمِكُمْ؛ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِذَا عَجَزْتُمْ عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا مِنَ الْبَشَرِ أَحَدٌ، وَيَصِحُّ عِنْدَكُمْ أَنَّهُ تَنْزِيلِي وَوَحْيِي إِلَى عَبْدِي.)).

التعليق:
ذكر الإمام أن معنى الشهداء اختلف فيه على قولين:
1- أعوان، وهو قول ابن عباس .
2- يشهدون لكم، وهذا قول مجاهد .
وقد ذكر الطبري معنى كليًا في مادة (شهد)، وهو المشاهدة، والشهيد الذي يشهد على غيره، ويشهد لغيره .
ويجتمع المعنيان في الأول، فيلزم من كل شهادة المشاهدة .
وقد اختار الطبري قول ابن عباس .
ورجع الطبري إلى بدايات السورة ليستدل أن معنى الآية كقوله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}.
ثم ختم بالمعنى .
والطبري رحمه الله يحرص على بيان المعنى على القول الذي يختاره .


الرئيسية | الموقع كاملاً