موقع الدكتور مساعد الطيار - النسخة الكفية
الرئيسية

التعليق على تفسير ابن جرير الطبري المجلس الرابع والعشرون: (27 - 11 - 1435)

المجلس الرابع والعشرون: (27 - 11 - 1435)

اعتنى به: عمرو الشرقاوي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
[1/ 184]
قال الطبري رحمه الله:
((الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَأَمَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْفَرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأُنْذِرُوا أَمْ لَمْ يُنْذَرُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، لِطَبْعِهِ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ، وَعَنِ الْآخَرِ أَنَّهُ يُخَادِعُ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِمَا يُبْدِي بِلِسَانِهِ مِنْ قَلْبِهِ: آمَنَّا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، مَعَ اسْتِبْطَانِهِ خِلَافَ ذَلِكَ، وَمَرَضِ قَلْبِهِ، وَشَكِّهِ فِي حَقِيقَةِ مَا يُبْدِي مِنْ ذَلِكَ؛ وَغَيْرَهُمْ مِنْ سَائِرِ خَلْقِهِ الْمُكَلَّفِينَ، بِالِاسْتِكَانَةِ وَالْخُضُوعِ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَإِفْرَادِ الرُّبُوبِيَّةِ لَهُ، وَالْعِبَادَةِ دُونَ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ وَالْآلِهَةِ؛ لِأَنَّ جَلَّ ذِكْرُهُ هُوَ خَالِقُهُمْ وَخَالِقُ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْ، وَخَالِقُ أَصْنَامِهِمْ وَأَوْثَانِهِمْ وَآلِهَتِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ: فَالَّذِي خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ آبَاءَكُمْ وَأَجْدَادَكُمْ وَسَائِرَ الْخَلْقِ غَيْرَكُمْ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى ضَرِّكُمْ وَنَفْعِكُمْ أَوْلَى بِالطَّاعَةِ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ لَكُمْ عَلَى نَفْعٍ وَلَا ضَرٍّ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا رُوِيَ لَنَا عَنْهُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ نَظِيرَ مَا قُلْنَا فِيهِ، غَيْرَ أَنَّهُ ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي مَعْنَى: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: 21] وَحِّدُوا رَبَّكُمْ. وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ الْخُضُوعُ لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ وَالتَّذَلُّلُ لَهُ بِالِاسْتِكَانَةِ.
وَالَّذِي أَرَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: 21] وَحِّدُوهُ: أَيْ أَفْرِدُوا الطَّاعَةَ وَالْعِبَادَةَ لِرَبِّكُمْ دُونَ سَائِرِ خَلْقِهِ .
وبإسناده، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " قَالَ اللَّهُ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: 21] لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، أَيْ وَحِّدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ".
وبإسناده، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 21] يَقُولُ: خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ".)).

التعليق:
ذكر الطبري رحمه الله كعادته التفسير الإجمالي ثم شرع في التفصيل .
والأصل في إطلاق لفظ الناس أن يشمل كل الناس، فهو عام، لكن الطبري أعاد اللفظ على فريقين:
1- الكفار .
2- أهل النفاق .
وهذا الأسلوب هو العام الذي أريد به الخصوص .
واستدل على قيله هذا بالأثر، والنظر السياقي، فقد مال أن السياق دل على أن المخاطب هؤلاء الذين لم يدخلوا في العبادة، وعزز هذا بأثر ابن عباس: (لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ).
وحين يأتي المفسر إلى الخبر العام ويجعله مخصصًا بأدلة وشواهد، فهذا من براعته ومهارته.
أما من يجعله على العموم فهذا يسلك جادة واضحة لا إشكال فيها.
وهنا سؤال: لو حمل مفسر الآية على عمومها بعد تخصيص ابن عباس، أو ابن جرير، فهل قوله صحيح ؟
والجواب: أن إدخال من هو خارج الخطاب، وتعميم اللفظ عليه هو من طريق القياس، وليس من باب تعميم اللفظ .
وهذا المسلك دقيق، ويفيدك في ضبط العموم والخصوص في التفسير.
وهناك آيات خاصة لا يصح دخول العموم فيها، مثل سورة الضحى، فهي خاصة بمحمد صلى الله عليه وسلم، فالخطاب له في آياتها؛ لكن يمكن أن نقول أن أمته داخلة معه في شيء مما أوتيه من الفضائل.
وبعض مسائل هذه الآيات مدلولٌ عليها بآيات أخرى، فالاستدلال على هذه المسائل يكون من الآيات الأخرى وليس من هذه السورة.
مثال: التحديث بنعمة الله تعالى لغير النبي صلى الله عليه وسلم، فالاستدلال بهذا لا يكون بقوله تعالى:{وأما بنعمة ربك فحدث} وإنما من أدلة أخرى.
ولو قلت أن عامود التفسير: العموم والخصوص، لما أخطأت، فهو من أعظم أبواب التفسير .
وقد يقول قائل: لم لا نحمل كلام ابن عباس على التمثيل؟
والجواب: أن مساق عبارات السلف يشعر بهذا أو هذا، وانظروا إلى مساق كلام ابن عباس هنا، حيث قال: (لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ) فهذه العبارة لا مجال فيها للتمثيل.
مسألة أخرى ذكرها، وهي: قوله عن ابن عباس: ((وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا رُوِيَ لَنَا عَنْهُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ نَظِيرَ مَا قُلْنَا فِيهِ، غَيْرَ أَنَّهُ ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي مَعْنَى: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: 21] وَحِّدُوا رَبَّكُمْ.)).
وهذا مُشعر بمغايرة قول ابن عباس لقول الطبري، لكنه وجهه بمعنى العبادة المشهور، فقال: ((وَالَّذِي أَرَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: 21] وَحِّدُوهُ: أَيْ أَفْرِدُوا الطَّاعَةَ وَالْعِبَادَةَ لِرَبِّكُمْ دُونَ سَائِرِ خَلْقِهِ .)).
فاتجه التوحيد إلى عدم الإشراك .
وهناك نص للماتريدي يوجه فيه كلام ابن عباس، وقال في ذلك: ((جعل العبادة عبارةً عن التوحيد؛ لأَن العبادة التي هي لله لا تكون ولا تخلص له إلا بالتوحيد)) وهذا مقارب لعبارة ابن جرير، وهذا يدل على أن عبارة ابن عباس فيها إشكال من هذه الجهة.
وهذه الطريقة - توجيه أقوال المفسرين - طريقة عزيزة، لا يتقنها إلا مثل هؤلاء رحمهم الله تعالى.
من لطائف هذه الآية: أن الأمر فيها هو أول أمر في القرآن من جهة ترتيب المصحف.
ومن الملح فيها أيضًا:
أن الغالب ارتباط لفظ الناس بالربوبية، بينما ارتباط الذين آمنوا بالألوهية؛ لأنه ما آمن من آمن إلا لتحقيقه العبادة لله، ففاز بأن يدعى بالألوهية، وأما من قصر فلا يدعى إلا بالربوبية التي يشترك فيها كل المخلوقات، فالخطاب بالألوهية شرف لا يحظى به إلا أهل الإيمان.

[1/ 385]
قال الطبري:
((قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أَدَلِّ دَلِيلٍ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنْ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ إِلَّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ غَيْرُ جَائِزٍ إِلَّا بَعْدَ إِعْطَاءِ اللَّهِ الْمُكَلَّفَ الْمَعُونَةَ عَلَى مَا كَلَّفَهُ. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ مَنْ وَصَفْنَا بِعِبَادَتِهِ وَالتَّوْبَةِ مِنْ كُفْرِهِ، بَعْدَ إِخْبَارِهِ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَأَنَّهُمْ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ لَا يَرْجِعُونَ.)).

التعليق:
الطبري هنا في مقام مناقشة عقدية، وهذا يتطلب الرجوع إلى كتب العقائد، ومن المهم معرفة الحالة الاعتقادية في عصر الإمام الطبري لتصور المردود عليهم .
وأغلب الفرق المشهورة في عصر الطبري هم الجهمية والمعتزلة والقدرية، والرافضة كانوا موجودين؛ لكن ليس لهم أقوال في التفسير .
والمسألة هنا هي من قول القدرية .
وهذا التعبير (التكليف بما لا يُطاق) ليست من عبارات الكتاب والسنة، ولا من عبارات السلف.
وغالباً ما تكون المصطلحات في كتب الاعتقاد بها نوع من الاضطراب، مثل: مفهوم التجسيم، أو العصمة، أو الإعجاز، أو غير ذلك.

[1/ 186]
قال الطبري رحمه الله:
((الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ بِعِبَادَتِكُمْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ، وَطَاعَتِكُمْ إِيَّاهُ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ، وَإِفْرَادِكُمْ لَهُ الْعِبَادَةَ، لِتَتَّقُوا سَخَطَهُ وَغَضَبَهُ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُوا مِنَ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ رَضِيَ عَنْهُمْ رَبُّهُمْ. وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] تُطِيعُونَ .
وبإسناده، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] قَالَ: لَعَلَّكُمْ تُطِيعُونَ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالَّذِي أَظُنُّ أَنَّ مُجَاهِدًا أَرَادَ بِقَوْلِهِ هَذَا: لَعَلَّكُمْ أَنْ تَتَّقُوا رَبَّكُمْ بِطَاعَتِكُمْ إِيَّاهُ وَإِقْلَاعِكُمْ عَنْ ضَلَالَتِكُمْ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَكَيْفَ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] أَوَلَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ أَمْرُهُمْ إِذَا هُمْ عَبَدُوهُ وَأَطَاعُوهُ، حَتَّى قَالَ لَهُمْ: لَعَلَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ أَنْ تَتَّقُوا، فَأَخْرَجَ الْخَبَرَ عَنْ عَاقِبَةِ عِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُ مَخْرَجَ الشَّكِّ؟ قِيلَ لَهُ: ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي تَوَهَّمْتَ، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 21]، لِتَتَّقُوهُ بِطَاعَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَإِفْرَادِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالْعِبَادَةِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الْحُرُوبَ لَعَلَّنَا ... نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مُوثِقِ
فَلَمَّا كَفَفْنَا الْحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُكُمْ ... كَلَمْحِ سَرَابٍ فِي الْفَلَا مُتَأَلِّقِ
يُرِيدُ بِذَلِكَ: قُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا لِنَكُفَّ. وَذَلِكَ أَنَّ لَعَلَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَوْ كَانَ شَكًّا لَمْ يَكُونُوا وَثَّقُوا لَهُمْ كُلَّ مُوثِقِ .)).

التعليق:
ذكر الطبري هنا رحمه الله، أن التقوى هنا أمر يمنع من الوقوع في شيء، عن طريق الطاعة فيما أمر، واجتناب ما نهى الله عنه .
لكن مجاهد ذكر أن التقوى بمعنى الطاعة، ولا يلزم هذا، فتفسير التقوى بالطاعة من تفسير الأكثر بالأقل .
وقد لاحظ ابن جرير الإشكال في تعبير لفظ مجاهد، ولذا وجهه، فقال: ((وَالَّذِي أَظُنُّ أَنَّ مُجَاهِدًا أَرَادَ بِقَوْلِهِ هَذَا: لَعَلَّكُمْ أَنْ تَتَّقُوا رَبَّكُمْ بِطَاعَتِكُمْ إِيَّاهُ وَإِقْلَاعِكُمْ عَنْ ضَلَالَتِكُمْ.)).
فكأنه ذكر وسيلة التقوى، وليس مراده أن التقوى تساوي الطاعة .
وعبارة الطبري:(وكان..) إشارة إلى إشكال مع حله.
وأحياناً نجده يذكر الإشكال ولا يعقب عليه، وهذا مما يشعر بتضعيفه أيضاً.
والطريقة التي نعرف بها تضعيفه للقول، أنه يذكر المعنى الإجمالي، ويذكر من قال به من السلف، ثم يورد هذا القول .
والمسألة الثانية التي ذكرها الطبري، هي: كيف أن الله تعالى عبر بلعل، وهي للترجي الذي يعني أنه قد يحصل وقد لا يحصل، وهو سبحانه عليمٌ بكل شيء؟
ورد ابن جرير على هذه المسألة: بأن (لعل) هنا ليست على بابها، وإنما المراد بها هنا التحقيق، وذلك بالنظر لمن وقع منه الخطاب،  فيكون المراد بــ {لعلكم تتقون}،أي: لتتقوه، ثم عضد ابن جرير هذا المعنى بلغة العرب .

[1/ 387]
قال الطبري:
((الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22].
وَقَوْلُهُ: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا} [البقرة: 22] مَرْدُودٌ عَلَى الَّذِي الْأُولَى فِي قَوْلِهِ: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} [البقرة: 21] وَهُمَا جَمِيعًا مِنْ نَعْتِ {رَبَّكُمْ} [البقرة: 21] فَكَأَنَّهُ قَالَ: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الْخَالِقَكُمْ، وَالْخَالِقَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، الْجَاعِلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا. يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مِهَادًا وَمَوْطِئًا وَقَرَارًا يُسْتَقَرُّ عَلَيْهَا. يَذْكُرُ رَبُّنَا جَلَّ ذِكْرُهُ بِذَلِكَ مِنْ قِيلِهِ زِيَادَةَ نِعَمِهِ عِنْدَهُمْ وَآلَائِهِ لَدَيْهِمْ، لِيَذْكُرُوا أَيَادِيهِ عِنْدَهُمْ فَيُنِيبُوا إِلَى طَاعَتِهِ، تَعَطُّفًا مِنْهُ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَرَأْفَةً مِنْهُ بِهِمْ، وَرَحْمَةً لَهُمْ، مِنْ غَيْرِ مَا حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَى عِبَادَتِهِمْ، وَلَكِنْ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ .
وبإسناده، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا} [البقرة: 22] فَهِيَ فِرَاشٌ يَمْشِي عَلَيْهَا، وَهِيَ الْمِهَادُ وَالْقَرَارُ ".
وبإسناده، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا} [البقرة: 22] قَالَ: مِهَادًا لَكُمْ ".
وبإسناده، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: " {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا} [البقرة: 22] أَيْ مِهَادًا ".)).

[1/ 388]
قال الطبري:
((الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} [البقرة: 22] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ السَّمَاءُ سَمَاءً لِعُلُوِّهَا عَلَى الْأَرْضِ وَعَلَى سُكَّانِهَا مِنْ خَلْقِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ كَانَ فَوْقَ شَيْءٍ آخَرَ فَهُوَ لِمَا تَحْتَهُ سَمَاءٌ. وَلِذَلِكَ قِيلَ لِسَقْفِ الْبَيْتِ سَمَاؤُهُ، لِأَنَّهُ فَوْقَهُ مُرْتَفِعٌ عَلَيْهِ وَلِذَلِكَ قِيلَ: سَمَا فُلَانٌ لِفُلَانٍ: إِذَا أَشْرَفَ لَهُ وَقَصَدَ نَحْوَهُ عَالِيًا عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
سَمَوْنَا لِنَجْرَانَ الْيَمَانِي وَأَهْلِهِ ... وَنَجْرَانُ أَرْضٌ لَمْ تُدَيَّثْ مَقَاوِلُهُ
وَكَمَا قَالَ نَابِغَةُ بَنِي ذُبْيَانَ:
سَمَتْ لِي نَظْرَةٌ فَرَأَيْتُ مِنْهَا ... تُحَيْتَ الْخِدْرِ وَاضِعَةَ الْقِرَامِ
يُرِيدُ بِذَلِكَ: أَشْرَفَتْ لِي نَظْرَةٌ وَبَدَتْ، فَكَذَلِكَ السَّمَاءُ: سُمِّيَتْ لِلْأَرْضِ سَمَاءً لِعُلُوِّهَا وَإِشْرَافِهَا عَلَيْهَا.
وبإسناده، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " {وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} [البقرة: 22] ، فَبِنَاءُ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ كَهَيْئَةِ الْقُبَّةِ، وَهِيَ سَقْفٌ عَلَى الْأَرْضِ ".
وبإسناده، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " فِي قَوْلِ اللَّهِ {وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} [البقرة: 22] قَالَ: جَعَلَ السَّمَاءَ سَقْفًا لَكَ " .
وَإِنَّمَا ذَكَرَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيمَا عَدَّدَ عَلَيْهِمْ مِنْ نِعَمِهِ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ مِنْهُمَا أَقْوَاتَهُمْ وَأَرْزَاقَهُمْ وَمَعَايِشَهُمْ، وَبِهِمَا قِوَامُ دُنْيَاهُمْ، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ الَّذِيَ خَلَقَهُمَا وَخَلَقَ جَمِيعَ مَا فِيهِمَا وَمَا هُمْ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ عَلَيْهِمُ الطَّاعَةَ وَالْمُسْتَوْجِبُ مِنْهُمُ الشُّكْرَ وَالْعِبَادَةَ دُونَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ الَّتِي لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ.)).

التعليق:
ذكر هنا الأصل اللغوي للسماء، ونبه أن قوام النعم على العباد، إما أن تكون:
1- نازلة من السماء .
2- أو خارجة من الأرض .
وأقوال السلف في التفسير تدور عباراتهم أن الأرض كرِّية = أي: كروية، ولطول الكرة فيها يراها الرائي مسطحة .
لكن بعض المتكلمين ادعى أن الأرض المسطحة، بل غلا بعضهم فكفر من قال بكريتها، وهذا مخالف لأقوال السلف .

قال الطبري:
((الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} [البقرة: 22] يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَطَرًا، فَأَخْرَجَ بِذَلِكَ الْمَطَرِ مِمَّا أَنْبَتُوهُ فِي الْأَرْضِ مِنْ زَرْعِهِمْ وَغَرْسِهِمْ ثَمَرَاتٍ رِزْقًا لَهُمْ غِذَاءً وَأَقْوَاتًا. فَنَبَّهَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى قُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَذَكَّرَهُمْ بِهِ آلَاءَهُ لَدَيْهِمْ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَهُمْ وَهُوَ الَّذِي يَرْزُقُهُمْ وَيَكْفُلُهُمْ دُونَ مَنْ جَعَلُوهُ لَهُ نِدًّا وَعَدْلًا مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْآلِهَةِ، ثُمَّ زَجَرَهُمْ عَنْ أَنْ يَجْعَلُوا لَهُ نِدًّا مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَهُمْ، وَأَنَّهُ لَا نِدَّ لَهُ وَلَا عَدْلَ، وَلَا لَهُمْ نَافِعٌ وَلَا ضَارٌّ وَلَا خَالِقٌ وَلَا رَازِقٌ سِوَاهُ .)).

[1/ 390]
قال الطبري:
((الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} [البقرة: 22] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْأَنْدَادُ، جَمْعُ نِدٍّ، وَالنِّدُّ: الْعَدْلُ وَالْمِثْلُ، كَمَا قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ: لَسْتَ لَهُ بِمِثْلٍ وَلَا عَدْلٍ. وَكُلُّ شَيْءٍ كَانَ نَظِيرَ الشَّيْءِ وَشَبِيهًا فَهُوَ لَهُ نِدٌّ.
وبإسناده، عَنْ قَتَادَةَ: " {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} [البقرة: 22] أَيْ عُدَلَاءَ ".
وبإسناده، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} [البقرة: 22] أَيْ عُدَلَاءَ ".
وبإسناده، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} [البقرة: 22] قَالَ: أَكْفَاءَ مِنَ الرِّجَالِ تُطِيعُونَهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ".
وبإسناده، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ " فِي قَوْلِ اللَّهِ: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} [البقرة: 22] قَالَ: الْأَنْدَادُ: الْآلِهَةُ الَّتِي جَعَلُوهَا مَعَهُ وَجَعَلُوا لَهَا مِثْلَ مَا جَعَلُوا لَهُ ".
وبإسناده، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " فِي قَوْلِهِ: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} [البقرة: 22] قَالَ: أَشْبَاهًا ".
وبإسناده، عَنْ عِكْرِمَةَ: " {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} [البقرة: 22] أَيْ تَقُولُوا: لَوْلَا كَلْبُنَا لَدَخَلَ عَلَيْنَا اللِّصُّ الدَّارَ، لَوْلَا كَلْبُنَا صَاحَ فِي الدَّارِ وَنَحْوَ ذَلِكَ " .
فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَنَ يَعْبُدُوا غَيْرَهُ، أَوْ يَتَّخِذُوا لَهُ نِدًّا وَعَدْلًا فِي الطَّاعَةِ، فَقَالَ: كَمَا لَا شَرِيكَ لِي فِي خَلْقِكُمْ وَفِي رِزْقِكُمُ الَّذِي أَرْزُقُكُمْ، وَمُلْكِي إِيَّاكُمْ، وَنِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُهَا عَلَيْكُمْ، فَكَذَلِكَ فَأَفْرِدُوا لِيَ الطَّاعَةَ، وَأَخْلِصُوا لِيَ الْعِبَادَةَ، وَلَا تَجْعَلُوا لِي شَرِيكًا وَنِدًّا مِنْ خَلْقِي، فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ عَلَيْكُمْ مِنِّي.)).

التعليق:
فسر ابن جرير الند باللغة، واستشهد له من كلام العرب .
وعبارات السلف:
1- عدلا = قتادة .
2- أكفاء = رواية السدي .
3- أشباهًا =  ابن عباس .

تقريب للمعنى، فهي تعبير عن المعنى بألفاظ متقاربة .
وأما قول ابن زيد: " الْأَنْدَادُ: الْآلِهَةُ الَّتِي جَعَلُوهَا مَعَهُ وَجَعَلُوا لَهَا مِثْلَ مَا جَعَلُوا لَهُ ".
وهذا تفسير للمعنى .
وكذلك عكرمة، فإن قوله: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا}، " أَيْ تَقُولُوا: لَوْلَا كَلْبُنَا لَدَخَلَ عَلَيْنَا اللِّصُّ الدَّارَ، لَوْلَا كَلْبُنَا صَاحَ فِي الدَّارِ وَنَحْوَ ذَلِكَ " فيه تنبيه على أن هذه الألفاظ قد يقع فيها الشرك.

[1/ 392]
قال الطبري:
((الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عُنُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهَا جَمِيعُ الْمُشْرِكِينَ، مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ: التَّوْرَاةِ، وَالْإِنْجِيلِ. ذِكْرُ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِهَا جَمِيعُ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ وَكُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ .
وبإسناده، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " نَزَلَ ذَلِكَ فِي الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ. وَإِنَّمَا عُنِيَ بِقَوْلِهِ: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] أَيْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ غَيْرَهُ مِنَ الْأَنْدَادِ الَّتِي لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا رَبَّ لَكُمْ يَرْزُقُكُمْ غَيْرَهُ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الَّذِيَ يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ الرَّسُولُ مِنْ تَوْحِيدِهِ هُوَ الْحَقُّ لَا شَكَّ فِيهِ ".
وبإسناده، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] أَيْ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، ثُمَّ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ".
وبإسناده، عَنْ مُجَاهِدٍ: " {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] أَنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ".
عَنْ مُجَاهِدٍ: " {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] ، يَقُولُ: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا نِدَّ لَهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَحْسِبُ أَنَّ الَّذِيَ دَعَا مُجَاهِدًا إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، وَإِضَافَةِ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ خِطَابٌ لِأَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ دُونَ غَيْرِهِمْ، الظَّنُّ مِنْهُ بِالْعَرَبِ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُهَا وَرَازِقُهَا بِجُحُودِهَا وَحْدَانِيَّةَ رَبِّهَا، وَإِشْرَاكِهَا مَعَهُ فِي الْعِبَادَةِ غَيْرَهُ.
وَإِنَّ ذَلِكَ لَقَوْلٌ، وَلَكِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تُقِرُّ بِوَحْدَانِيَّةٍ، غَيْرَ أَنَّهَا كَانَتْ تُشْرِكُ فِي عِبَادَتِهِ مَا كَانَتْ تُشْرِكُ فِيهَا، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87] ، وَقَالَ: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس: 31] .
فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] إِذْ كَانَ مَا كَانَ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنَ الْعِلْمِ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ مُبْدِعُ الْخَلْقِ وَخَالِقُهُمْ وَرَازِقُهُمْ، نَظِيرَ الَّذِي كَانَ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ. وَلَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنَى بِقَوْلِهِ: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] أَحَدَ الْحِزْبَيْنِ، بَلْ مَخْرَجُ الْخِطَابِ بِذَلِكَ عَامٌ لِلنَّاسِ كَافَّةً لَهُمْ، لِأَنَّهُ تَحَدَّى النَّاسَ كُلَّهُمْ بِقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: 21] أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ، مِنْ أَنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ كُلَّ مُكَلَّفٍ عَالِمٍ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي خَلْقِهِ يُشْرِكُ مَعَهُ فِي عِبَادَتِهِ غَيْرَهُ، كَائِنًا مَنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ، عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ أَعْجَمِيًّا، كَاتِبًا أَوْ أُمِّيًّا، وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ لِكُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ كَانُوا حَوَالَيْ دَارِ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَهْلِ النِّفَاقِ مِنْهُمْ وَمِمَّنْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ مِمَّنْ كَانَ مُشْرِكًا فَانْتَقَلَ إِلَى النِّفَاقِ بِمَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.)).

التعليق:
اعتذر الطبري لمجاهد رحمه الله في تخصيصه للمعنى، وقال: ((وَأَحْسِبُ أَنَّ الَّذِيَ دَعَا مُجَاهِدًا إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، وَإِضَافَةِ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ خِطَابٌ لِأَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ دُونَ غَيْرِهِمْ، الظَّنُّ مِنْهُ بِالْعَرَبِ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُهَا وَرَازِقُهَا بِجُحُودِهَا وَحْدَانِيَّةَ رَبِّهَا، وَإِشْرَاكِهَا مَعَهُ فِي الْعِبَادَةِ غَيْرَهُ.)).
فعلل لقول مجاهد، ثم رد عليه بعد ذلك.
وقول ابن جرير رحمه الله:(( وَلَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنَى بِقَوْلِهِ: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] أَحَدَ الْحِزْبَيْنِ، بَلْ مَخْرَجُ الْخِطَابِ بِذَلِكَ عَامٌ لِلنَّاسِ كَافَّةً لَهُمْ، لِأَنَّهُ تَحَدَّى النَّاسَ كُلَّهُمْ بِقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: 21] أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ، مِنْ أَنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ كُلَّ مُكَلَّفٍ عَالِمٍ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي خَلْقِهِ يُشْرِكُ مَعَهُ فِي عِبَادَتِهِ غَيْرَهُ، كَائِنًا مَنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ، عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ أَعْجَمِيًّا، كَاتِبًا أَوْ أُمِّيًّا، وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ لِكُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ كَانُوا حَوَالَيْ دَارِ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَهْلِ النِّفَاقِ مِنْهُمْ وَمِمَّنْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ مِمَّنْ كَانَ مُشْرِكًا فَانْتَقَلَ إِلَى النِّفَاقِ بِمَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )).
فيه تأصيل آخر، حيث قال: إن الخطاب عام في كل الناس أعجميًا كان أم عربيًا، وإن كان موجهاً إلى أهل الكتاب والمشركين الذين كانوا بين ظهراني النبي صلى الله عليه وسلم.
بمعنى أن الخطاب في قوله: {يا أيها الناس .. } وجه إلى قوم بخصوصهم؛ لكن لا يعني ذلك أنها خاصة فيهم، بل يشمل كل من جاء بعدهم ممن هو داخلٌ في وصفهم، وهذا التنبيه منه من دقائق التحرير في التفسير.


الرئيسية | الموقع كاملاً