موقع الدكتور مساعد الطيار - النسخة الكفية
الرئيسية

التعليق على تفسير ابن جرير الطبري المجلس الثالث والعشرون: (20 - 11 - 1435)

المجلس الثالث والعشرون: (20 - 11 - 1435)

اعتنى به: عمرو الشرقاوي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
[1/ 379]

قال الطبري رحمه الله:
((وَإِنَّمَا نُصِبَ قَوْلَهُ: {حَذَرَ الْمَوْتِ} [البقرة: 19] عَلَى نَحْوِ مَا تُنْصَبُ بِهِ التَّكْرِمَةَ فِي قَوْلِكَ: زُرْتُكَ تَكْرِمَةً لَكَ، تُرِيدُ بِذَلِكَ: مِنْ أَجْلِ تَكْرِمَتِكَ، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء: 90] عَلَى التَّفْسِيرِ لِلْفِعْلِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ: " أَنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ: {حَذَرَ الْمَوْتِ} [البقرة: 19] حَذَرًا مِنَ الْمَوْتِ " حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنْهُ وَذَلِكَ مَذْهَبٌ مِنَ التَّأْوِيلِ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَجْعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ حَذَرًا مِنَ الْمَوْتِ فَيَكُونَ مَعْنَاهُ مَا قَالَ إِنَّهُ مُرَادٌ بِهِ حَذَرًا مِنَ الْمَوْتِ، وَإِنَّمَا جَعَلُوهَا مِنْ حَذَارِ الْمَوْتِ فِي آذَانِهِمْ. وَكَانَ قَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ يَتَأَوَّلَانِ قَوْلَهُ: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ} [البقرة: 19] أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ صِفَةٌ لِلْمُنَافِقِينَ بِالْهَلَعِ، وَضَعْفِ الْقُلُوبِ، وَكَرَاهَةِ الْمَوْتِ، وَيَتَأَوَّلَانِ فِي ذَلِكَ قَوْلَهُ: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} [المنافقون: 4] وَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عِنْدِي كَالَّذِي قَالَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا تُنْكَرُ شَجَاعَتُهُ وَلَا تُدْفَعُ بَسَالَتُهُ كَقُزْمَانَ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مَقَامَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِأُحُدٍ أَوْ دُونَهُ.
وَإِنَّمَا كَانَتْ كَرَاهَتُهُمْ شُهُودَ الْمَشَاهِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرْكُهُمْ مُعَاوَنَتَهُ عَلَى أَعْدَائِهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا فِي أَدْيَانِهِمْ مُسْتَبْصِرِينَ وَلَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصَدِّقِينَ، فَكَانُوا لِلْحُضُورِ مَعَهُ مَشَاهِدَهُ كَارِهِينَ، إِلَّا بِالتَّخْذِيلِ عَنْهُ.
وَلَكِنَّ ذَلِكَ وَصْفٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ بِالْإِشْفَاقِ مِنْ حُلُولِ عُقُوبَةِ اللَّهِ بِهِمْ عَلَى نِفَاقِهِمْ، إِمَّا عَاجِلًا، وَإِمَّا آجِلًا.
ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ نَعَتَهُمُ النَّعْتَ الَّذِي ذَكَرَ وَضَرَبَ لَهُمُ الْأَمْثَالَ الَّتِي وَصَفَ وَإِنِ اتَّقَوْا عِقَابَهُ وَأَشْفَقُوا عَذَابَهُ إِشْفَاقَ الْجَاعِلِ فِي أُذُنَيْهِ أَصَابِعَهُ حَذَارَ حُلُولِ الْوَعِيدِ الَّذِي تَوَعَّدَهُمْ بِهِ فِي آيِ كِتَابِهِ، غَيْرُ مُنْجِيهِمْ ذَلِكَ مِنْ نُزُولِهِ بِعَقْوَتِهِمْ وَحُلُولِهِ بِسَاحَتِهِمْ، إِمَّا عَاجِلًا فِي الدُّنْيَا، وَإِمَّا آجِلًا فِي الْآخِرَةِ، لِلَّذِي فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ مَرَضِهَا وَالشَّكِّ فِي اعْتِقَادِهَا، فَقَالَ: {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} [البقرة: 19] بِمَعْنَى جَامِعُهُمْ فَمُحِلٌّ بِهِمْ عُقُوبَتَهُ وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ .
وبإسناده، عَنْ مُجَاهِدٍ " فِي قَوْلِ اللَّهِ: {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} [البقرة: 19] قَالَ: جَامِعُهُمْ فِي جَهَنَّمَ ".
وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَرُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ،
وبإسناده، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} [البقرة: 19] يَقُولُ: اللَّهُ مُنْزِلٌ ذَلِكَ بِهِمْ مِنَ النِّقْمَةِ ".)).

التعليق:
قوله رحمه الله:(( ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ نَعَتَهُمُ النَّعْتَ الَّذِي ذَكَرَ وَضَرَبَ لَهُمُ الْأَمْثَالَ الَّتِي وَصَفَ وَإِنِ اتَّقَوْا عِقَابَهُ وَأَشْفَقُوا عَذَابَهُ إِشْفَاقَ الْجَاعِلِ فِي أُذُنَيْهِ أَصَابِعَهُ حَذَارَ حُلُولِ الْوَعِيدِ الَّذِي تَوَعَّدَهُمْ بِهِ فِي آيِ كِتَابِهِ، غَيْرُ مُنْجِيهِمْ ذَلِكَ مِنْ نُزُولِهِ بِعَقْوَتِهِمْ وَحُلُولِهِ بِسَاحَتِهِمْ، إِمَّا عَاجِلًا فِي الدُّنْيَا، وَإِمَّا آجِلًا فِي الْآخِرَةِ)) أي أن هذا الفعل الذي يفعله أهل النفاق لا قيمة له، ولن ينجيهم ذلك من وقوع ما سيحل بهم .
وفي قوله تعالى: {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} [البقرة: 19]، ذكر فيها معنيين:
1- الجمع في جهنم .
2- إحلال العقوبة بهم في الدنيا والآخرة .
والذي يظهر أن الفرق بين قول الطبري، وبين ما أورده عن مجاهد، أن الإمام يرى أن إحلال العقوبة بهم ستكون في الدنيا غير عقوبة الآخرة .
فالخلاف في زمن العقوبة، وليس في المعنى .
وما أورده عن ابن عباس موافق لما ذكره الطبري، والذي يظهر هو ما ذهب إليه ابن عباس وابن جرير .

[1/ 378]
قال الطبري:
((ثُمَّ عَادَ جَلَّ ذِكْرُهُ إِلَى نَعْتِ إِقْرَارِ الْمُنَافِقِينَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَالْخَبَرِ عَنْهُ وَعَنْهُمْ وَعَنْ نِفَاقِهِمْ، وَإِتْمَامِ الْمَثَلِ الَّذِي ابْتَدَأَ ضَرْبَهُ لَهُمْ وَلِشَكِّهِمْ وَمَرَضِ قُلُوبِهِمْ، فَقَالَ: {يَكَادُ الْبَرْقُ} [البقرة: 20] يَعْنِي بِالْبَرْقِ: الْإِقْرَارَ الَّذِي أَظْهَرُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ، فَجَعَلَ الْبَرْقَ لَهُ مَثَلًا عَلَى مَا قَدَّمْنَا صِفَتَهُ.
{يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} [البقرة: 20] يَعْنِي: يَذْهَبُ بِهَا وَيَسْتَلِبُهَا وَيَلْتَمِعُهَا مِنْ شِدَّةِ ضِيَائِهِ وَنُورِ شُعَاعِهِ كَمَا حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: " {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} [البقرة: 20] قَالَ: يَلْتَمِعُ أَبْصَارَهُمْ وَلَمَّا يَفْعَلْ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْخَطْفُ: السَّلَبُ وَمِنْهُ الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْخَطْفَةِ. يَعْنِي بِهَا النُّهْبَةَ؛ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْخُطَّافِ الَّذِي يُخْرَجُ بِهِ الدَّلْوُ مِنَ الْبِئْرِ خُطَّافٌ لِاخْتِطَافِهِ وَاسْتِلَابِهِ مَا عَلَقَ بِهِ. وَمِنْهُ قَوْلُ نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيَانَ:
خَطَاطِيفُ حُجْنٌ فِي حِبَالٍ مَتِينَةٍ ... تَمُدُّ بِهَا أَيْدٍ إِلَيْكَ نَوَازِعُ
فَجَعَلَ ضَوْءَ الْبَرْقِ وَشِدَّةَ شُعَاعِ نُورِهِ كَضَوْءِ إِقْرَارِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَبِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَشُعَاعِ نُورِهِ، مَثَلًا.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ} [البقرة: 20] يَعْنِي أَنَّ الْبَرْقَ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ، وَجَعَلَ الْبَرْقَ لِإِيمَانِهِمْ مَثَلًا. وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمُ الْإِيمَانُ وَإِضَاءَتُهُمْ لَهُمْ أَنْ يَرَوْا فِيهِ مَا يُعْجِبُهُمْ فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُمْ مِنَ النُّصْرَةِ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَإِصَابَةِ الْغَنَائِمِ فِي الْمَغَازِي، وَكَثْرَةِ الْفُتُوحِ، وَمَنَافِعِهَا، وَالثَّرَاءِ فِي الْأَمْوَالِ، وَالسَّلَامَةِ فِي الْأَبْدَانِ وَالْأَهْلِ وَالْأَوْلَادِ، فَذَلِكَ إِضَاءَتُهُ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يُظْهِرُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا يُظْهِرُونَهُ مِنَ الْإِقْرَارِ ابْتِغَاءَ ذَلِكَ، وَمُدَافَعَةً عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، وَهُمْ كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ} [الحج: 11] .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {مَشَوْا فِيهِ} [البقرة: 20] مَشَوْا فِي ضَوْءِ الْبَرْقِ. وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَثَلٌ لِإِقْرَارِهِمْ عَلَى مَا وَصَفْنَا. فَمَعْنَاهُ: كُلَّمَا رَأَوْا فِي الْإِيمَانِ مَا يُعْجِبُهُمْ فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُمْ عَلَى مَا وَصَفْنَا، ثَبَتُوا عَلَيْهِ وَأَقَامُوا فِيهِ، كَمَا يَمْشِي السَّائِرُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَظُلْمَةِ الصَّيِّبِ الَّذِي وَصَفَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، إِذَا بَرَقَتْ فِيهَا بَارِقَةٌ أَبْصَرَ طَرِيقَهُ فِيهَا {وَإِذَا أَظْلَمَ} [البقرة: 20] يَعْنِي ذَهَبَ ضَوْءُ الْبَرْقِ عَنْهُمْ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] عَلَى السَّائِرِينَ فِي الصَّيِّبِ الَّذِي وَصَفَ جَلَّ ذِكْرُهُ، وَذَلِكَ لِلْمُنَافِقِينَ مَثَلٌ.
وَمَعْنَى إِظْلَامِ ذَلِكَ: أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كُلَّمَا لَمْ يَرَوْا فِي الْإِسْلَامِ مَا يُعْجِبُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ عِنْدَ ابْتِلَاءِ اللَّهِ مُؤْمِنِي عِبَادِهِ بِالضَّرَّاءِ وَتَمْحِيصِهِ إِيَّاهُمْ بِالشَّدَائِدِ وَالْبَلَاءِ مِنْ إِخْفَاقِهِمْ فِي مَغْزَاهُمْ وَإِنَالَةِ عَدُوِّهِمْ مِنْهُمْ، أَوْ إِدْبَارٍ مِنْ دُنْيَاهُمْ عَنْهُمْ؛ أَقَامُوا عَلَى نِفَاقِهِمْ وَثَبَتُوا عَلَى ضَلَالَتِهِمْ كَمَا قَامَ السَّائِرُ فِي الصَّيِّبِ الَّذِي وَصَفَ جَلَّ ذِكْرُهُ إِذَا أَظْلَمَ وَخَفَتَ ضَوْءُ الْبَرْقِ، فَحَارَ فِي طَرِيقِهِ فَلَمْ يَعْرِفْ مَنْهَجَهُ.)).

التعليق:
وهذا أشبه بالتلخيص لما سبق، وبيان وجه المثل .

[1/ 381]
قال الطبري:
((الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} [البقرة: 20] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَإِنَّمَا خَصَّ جَلَّ ذِكْرُهُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ بِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَذْهَبَهَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ دُونَ سَائِرِ أَعْضَاءِ أَجْسَامِهِمْ لِلَّذِي جَرَى مِنْ ذِكْرِهَا فِي الْآيَتَيْنِ، أَعْنِي قَوْلَهُ: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ} [البقرة: 19] وَقَوْلَهُ: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ} [البقرة: 20] فَجَرَى ذِكْرُهَا فِي الْآيَتَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْمَثَلِ. ثُمَّ عَقَّبَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذِكْرَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَذْهَبَهُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى نِفَاقِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، وَعِيدًا مِنَ اللَّهِ لَهُمْ، كَمَا تَوَعَّدَهُمْ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا بِقَوْلِهِ: {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} [البقرة: 19] وَاصِفًا بِذَلِكَ جَلَّ ذِكْرُهُ نَفْسَهُ أَنَّهُ الْمُقْتَدِرُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى جَمْعِهِمْ، لِإِحْلَالِ سَخَطِهِ بِهِمْ، وَإِنْزَالِ نِقْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَمُحَذِّرَهُمْ بِذَلِكَ سَطْوَتَهُ، وَمُخَوِّفَهُمْ بِهِ عُقُوبَتَهُ، لِيَتَّقُوا بَأْسَهُ، وَيُسَارِعُوا إِلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ .
كَمَا حَدَّثَنَا وبإسناده، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} [البقرة: 20] لِمَا تَرَكُوا مِنَ الْحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ ".
وبإسناده، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، قَالَ: " ثُمَّ قَالَ، يَعْنِي قَالَ اللَّهُ، فِي أَسْمَاعِهِمْ يَعْنِي أَسْمَاعَ الْمُنَافِقِينَ وَأَبْصَارِهِمُ الَّتِي عَاشُوا بِهَا فِي النَّاسِ: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} [البقرة: 20] " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} [البقرة: 20] لَأَذْهَبَ سَمْعَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ، وَلَكِنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَدْخَلُوا الْبَاءَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ قَالُوا: ذَهَبْتُ بِبَصَرِهِ، وَإِذَا حَذَفُوا الْبَاءَ قَالُوا: أَذْهَبْتُ بَصَرَهُ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {آتِنَا غَدَاءَنَا} [الكهف: 62] وَلَوْ أُدْخِلَتِ الْبَاءُ فِي الْغَدَاءِ لَقِيلَ: ائْتِنَا بِغَدَائِنَا.)).

التعليق:
ذكر السبب في ذهاب السمع والأبصار، وهذا واضح لأنه ذكر: الرعد والبرق والصواعق، والرعد والصواعق مناسبة للسمع، أما البرق فمناسب للبصر، فهما الحاستان الأكثر تأثرًا بهذه الظواهر.
وقد استند إلى رواية ابن عباس، وهي قوله: " لِمَا تَرَكُوا مِنَ الْحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ ".
وابن عباس يتكلم هنا عن السبب، وهو: أنهم تركوا الحق بعد معرفته، لكن الطبري جعل كلام ابن عباس متممًا لما ذكره الطبري، وكلام ابن عباس مشعر بأمر مهم، وهو أن المنافق لا يكون منافقًا إلا بعد معرفة الحق، وهذا ما جعل ذنبه أعظم من الكفر.

[1/ 382]
قال الطبري:
((قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: {لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ} [البقرة: 20] فَوَحَّدَ، وَقَالَ: {وَأَبْصَارِهِمْ} [البقرة: 20] فَجَمَعَ؟ وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الْخَبَرَ فِي السَّمْعِ خَبَرٌ عَنْ سَمْعِ جَمَاعَةٍ، كَمَا الْخَبَرُ فِي الْأَبْصَارِ خَبَرٌ عَنْ أَبْصَارِ جَمَاعَةٍ؟ قِيلَ: قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: وَحَّدَ السَّمْعَ لِأَنَّهُ عَنَى بِهِ الْمَصْدَرَ وَقَصَدَ بِهِ الْخَرْقَ، وَجَمَعَ الْأَبْصَارَ لِأَنَّهُ عَنَى بِهِ الْأَعْيُنَ. وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَزْعُمُ أَنَّ السَّمْعَ وَإِنْ كَانَ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ بِمَعْنَى جَمَاعَةٍ، وَيَحْتَجُّ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهِ: {لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ} [إبراهيم: 43] يُرِيدُ لَا تَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ أَطْرَافُهُمْ، وَبِقَوْلِهِ: {وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] يُرَادُ بِهِ أَدْبَارَهُمْ. وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ عِنْدِي لِأَنَّ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ الْجَمْعُ، فَكَانَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْمُرَادِ مِنْهُ، وَأَدَاءُ مَعْنَى الْوَاحِدِ مِنَ السَّمْعِ عَنْ مَعْنَى جَمَاعَةٍ مُغْنِيًا عَنْ جَمَاعَةٍ، وَلَوْ فَعَلَ بِالْبَصَرِ نَظِيرَ الَّذِي فَعَلَ بِالسَّمْعِ، أَوْ فَعَلَ بِالسَّمْعِ نَظِيرَ الَّذِي فَعَلَ بِالْأَبْصَارِ مِنَ الْجَمْعِ وَالتَّوْحِيدِ، كَانَ فَصِيحًا صَحِيحًا لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْعِلَّةِ؛ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا ... فَإِنَّ زَمَانَنَا زَمَنٌ خَمِيصُ
فَوَحَّدَ الْبَطْنَ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْبُطُونُ لِمَا وَصَفْنَا مِنَ الْعِلَّةِ.)).

التعليق:
قوله رحمه الله:(( وَلَوْ فَعَلَ بِالْبَصَرِ نَظِيرَ الَّذِي فَعَلَ بِالسَّمْعِ، أَوْ فَعَلَ بِالسَّمْعِ نَظِيرَ الَّذِي فَعَلَ بِالْأَبْصَارِ مِنَ الْجَمْعِ وَالتَّوْحِيدِ، كَانَ فَصِيحًا صَحِيحًا..)) .
النكات لا تتزاحم([1])، فقد يكون لهذا التعبير أكثر من فائدة، والطبري يرى أن المسألة في جمع الأبصار، وإفراد السمع = مستوية .
وقال بعضهم، إنما وحد السمع لأنه موحد في الاستماع، أما النظر فيمكن أن يتعدد .

[1/ 384]
قال الطبري:
((الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 20] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَإِنَّمَا وَصَفَ اللَّهُ نَفْسَهُ جَلَّ ذِكْرُهُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، لِأَنَّهُ حَذَّرَ الْمُنَافِقِينَ بَأْسَهُ وَسَطْوَتَهُ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ بِهِمْ مُحِيطٌ وَعَلَى إِذْهَابِ أَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ قَدِيرٌ، ثُمَّ قَالَ: فَاتَّقُونِي أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ وَاحْذَرُوا خِدَاعِي وَخِدَاعَ رَسُولِي وَأَهْلَ الْإِيمَانِ بِي لَا أُحِلُّ بِكُمْ نِقْمَتِي فَإِنِّي عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ قَدِيرٌ. وَمَعْنَى قَدِيرٍ: قَادِرٌ، كَمَا مَعْنَى عَلِيمٌ: عَالِمٌ، عَلَى مَا وَصَفْتُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ نَظَائِرِهِ مِنْ زِيَادَةِ مَعْنَى فَعِيلٍ عَلَى فَاعِلٍ فِي الْمَدْحِ وَالذَّمِّ.)).

التعليق:
قدير بمعنى قادر، وعليم بمعنى عالم، هذا من باب التقريب، لأن صيغة (فعيل) أبلغ .
فقدير يعني قادر وزيادة؛ لكن لأن التفسير تقريب للمعنى، فلا إشكال في ذلك .

 

تعليق على ما ذكره الدكتور محمد بن عبد الله دراز (المتوفى: 1377هـ)، في كتابه (النبأ العظيم) حول المثلين([2]) .

 

((التمثيل القرآني لطائفتي الكافرين والمنافقين:
على أن هذه الأوصاف التحقيقية للطائفتين لم تكن وحدها لتشفي النفس من العجب في أمرهم، فالعهد بالناس أنهم إنما يختلفون في الأمور الغامضة لا في الحقائق البينة، فاختلاف هؤلاء في شأن القرآن على وضوحه يعد شاذًّا عن العادات الجارية، محتاجًا إلى وصف تمثيلي يقربه من المشاهد المحسة، حتى يطمئن القلب إلى إمكانه.
لذلك ضرب الله لكلتا
([3])* الطائفتين مثلًا يناسبها.)).
ثم قال:
((فضرب مثلًا للمصرين المختوم على قلوبهم بقوم كانوا يسيرون في ظلام الليل فقام فيهم رجل استوقد لهم نارًا يهتدون بضوئها، فلما أضاءت ما حوله لم يفتح بعض القوم أعينهم لهذا الضوء الباهر، بل لأمر ما سُلبوا نور أبصارهم وتعطلت سائر حواسهم عند هذه المفاجئة. فذلك مثل النور الذي طلع به محمد
([4])* -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في تلك الأمة على فترة من الرسل، فتفتحت له البصائر المستنيرة هنا وهناك، لكنه لم يوافق أهواء المستكبرين وضرب مثلًا للمترددين المخادعين بقوم جاءتهم السماء بغيث منهمر في ليلة ذات رعود وبروق. فأما الغيث فلم يلقوا له بالًا، ولم ينالوا منه نيلًا. فلا شربوا منه قطرة، ولا استنبتوا به ثمرة، ولا سقوا به زرعًا ولا ضرعًا. وأما تلك التقلبات الجوية من الظلمات والرعد والبرق فكانت هي مثار اهتمامهم، ومناط تفكيرهم؛ ولذلك جعلوا يترصدونها: ويدبرون أمورهم على وفقها، لابسين لكل حال لبوسها: سيرًا تارة، ووقوفًا تارة، واختفاءً تارة أخرى.)).

التعليق:
ذهب الدكتور دراز في المثلين إلى معنىً جديد، فهو يرى أن الآية الأولى تعود للكفار، والثانية للمنافقين .
ولم يُسبق إلى هذا .
فأول ما يرد على قوله:
أنه - زعم - أن ما استنبطه صحيح عقلًا، وأليق بظاهر القرآن واللغة، وذلك خطأٌ: لأن المفسرين من عهد الصحابة يرون أن المثلين في المنافقين، وهم أعلم بظاهر القرآن واللغة .
ولازم قوله تخطئة هؤلاء جميعًا .

 


(1) للشيخ مقال رائع عن النكت والملح، فلينظر !
وذكر أن السُهيلي في كتابه: ( نتائج الفكر) له اهتمام بذكر الملح واللطائف، مع أن كتابه في النحو؛ لكنه حشد فيه كثير من الآيات وذكر فيها بعض الملح واللطائف. واستفاد منه ابن القيم في كتابه بدائع الفوائد، حتى أنه قد يذكر كلامه بدون نسبة كما هي عادة المتقدمين..
(2) النبأ العظيم: (202).
(3) * قال في الحاشية:
((لعلك ترى هنا شيئًا من المخالفة لكلام المفسرين، إذ جعلوا المثلين كليهما راجعين إلى المنافقين خاصة، وجعلناهما موزعين على الطائفتين، نشرًا على ترتيب اللف.
ولكنك إذا رجعت بنفسك إلى أجزاء المثلين سترى معنا أن المثل الأول ينطبق تمام الانطباق على الأوصاف التي ذكرها الله للكافرين، وأن الذي ينطبق على صفات المنافقين إنما هو المثل الثاني وحده.
فهؤلاء القوم الذين {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ} أليسوا هم أولئك القوم الذين {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} .
وهذه الظلمات الثابتة المستقرة التي ليس فيها بصيص من نور وليس فيها تقلب ولا تذبذب، هل ترى فيها تصويرًا لألوان النفاق ووجوهه المختلفة باختلاف الأحوال ؟ إنك لا تجد هذه الصورة إلا في المثل الثاني حيث يتعاقب فيه الظلام والنور، الوقوف والمسير.
وكذلك ترى في المثل الثاني قومًا لهم أسماع وأبصار لم يذهب الله بها ولو شاء لذهب، وهذا مناسب لقوله في المنافقين: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} فوصفهم بالمرض ولم يصفهم بالختم الكلي على القلوب والحواس.
نعم، يمكن تقرير كلام المفسرين على وجه صحيح إذا ضممنا إليه ضميمة.
ذلك بأن نقول: إن المثل الأول يصور حال المنافقين في بواطنهم، وهو الأمر الذي يشاركون فيه سائر الكفار. والمثل الثاني يصور حالهم في ظواهرهم، وهو الأمر الذي يتقلب عندهم بتقلب الدواعي؛ لأن تقلبهم إنما هو الظاهر لا الباطن.
غير أن هذه الدعوى أيضًا محل نظر، إذ ما يدرينا، لعل نوع الكفر الذي يبطنه المنافق نوع خاص يتقلب فيه قلبه بالشك والتردد، وأن هذا الاضطراب الذي نشاهده على حركاته الظاهرة في أقواله وأعماله إنما هو صورة الاضطراب النفسي الذي يحس به هو في دخيلته بخلاف النوع الأول، وهو كفر المجاهرين، فهو طبيعة واحدة مصممة، حسبما تشهد به وحدة آثاره.)).
(4) * قال في الحاشية:
((وهذا أيضًا غير ما ذكره المفسرون فقد جعلوا مستوقد النار مثلًا "للمنافق الذي تكلف النطق بكلمة الإسلام خداعًا، فلم ينتفع بها إلا يسيرًا في دنياه، ثم قضى أجله وأفضى إلى عمله، فإذا هو في الظلمات والخسران المبين".
هكذا اعتبروا الضمائر المجموعة في قوله: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ....} إلخ, عائده إلى {الَّذِي اسْتَوْقَدَ} بمراعاة معناه، بعد أن عادت إلى الضمائر المفردة بمراعاة لفظه.
ونحن لا نزعم بطلان هذا التأويل، ولا ننكر إساغة اللغة له.
ولكن الوجه الذي عرضناه ها هنا في شرح المثل يجمع إلى صحته العقلية واللغوية أنه مستنبط من النظم القرآني نفسه.
ونحسبه مع ذلك أقرب لأسلوب القرآن وأليق بجزالته.
فإن لم يكنه فليكن أحد الوجوه التي يحتملها القرآن.
أما كيف استنبطنا هذا المعنى من النظم فإليك بيانه:
لقد نظرنا إلى المثلين فرأينا الأسلوب فيهما يتجه اتجاهًا متوازيًا؛ إذ وجدنا في صدر كل منهما حديثًا عن شيء مفرد، وفي عجز كل منهما حديثًا عن جماعة.
ثم نظرنا إلى المثل الثاني فرأينا الضمير المجموع فيه ليس راجعًا إلى مرجع الضمير المفرد، بل هو راجع باتفاق المفسرين إلى أمر مفهوم من فحوى الكلام هو القوم الذين نزل عليهم الصيب "ومعلوم أن هذه التشبيهات المركبة التي ينظر فيها إلى مقابلة المجموع بالمجموع لا يعني فيها بالمقابلة اللفظية الأحادية لأبين ما قبل الكاف وما يليها على الترتيب: بل ربما يكون الاختلاف بينهما كما هنا أمرًا مطلوبًا للبلغاء في وجيز الكلام يقصدون به التنبيه من أول الأمر على ما سيحدثون في التشبيه من طي وتقديم وتأخير، والتنبيه على أن المشبه به ليس هو مدخول الكاف وحده، وإنما هو قصة متعددة الفصول، هذا المدخول أحد فصولها. ذلك ليبقى السامع محتفظًا بانتباهه وتشوقه إلى تمام الكلام الذي به يظهر له التطابق بين طرفي التشبيه، وبه يمكنه رد كل شيء إلى شبهه -هذا الضرب في أسلوب القرآن كثير، منه قوله تعالى {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ} [171: 2] وقوله: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ} [24: 10] ، وقوله: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} [19: 2] .
حينئذ عدنا إلى المثل الأول فقلنا: هل عسى أن يكون هو أيضًا سائرًا على هذا النهج حسبما يرشد إليه تعادل الأسلوبين؟ .. فيكون الضمير المجموع فيه ليس عائدًا إلى "الذي استوقد نارًا" بل إلى القوم الذي استوقدت النار من أجلهم، أليس السامع متى انتهى إلى كلمة "ما حوله" يزداد شعورًا بأن هنالك قومًا مشبهًا بهم؟ إذ سرعان ما ينتقل الذهن من المكان إلى السكان.. هذه الخطوة الأولى لم تلبث أن لحقتها الخطوات التالية: وهي أن النور الذي ذهب الله به إذًا كان هو نور أولئك القوم، ولم يكن هو ضوء النار التي استوقدها المستوقد فتلك النار إذًا لم تطفأ ولم يذهب ضوءها فما يكون مضرب المثل بهذا الضياء الذي بقي هو وذهب غيره؟ .. ألا يكون هو ضوء الهداية الحقيقية التي أبى الله إلا أن يتمها ولو كره الكافرون. ثم من يكون مضرب المثل بمستوقد النار؟ ... ألا يكون هو الهادي الأعظم صلوات الله عليه.. فقد استوقد شعلة الهداية الإسلامية، أي عالج إيقادها أمام زوابع من الفتن وأعاصير من المقاومات العنيفة، فلما أوقدها وأضاءت ما حوله رغمت بها أنوف أعداء الحق، الذين أكل الجهل والحسد قلوبهم، فانطمست بصائرهم، وكانوا كلما ازدادت هي تألفًا وإشراقًا، ازدادوا هم ظلمة وانتكاسًا.
عند هذا الحد تمت أركان التشبيه، واستقام هذا المعنى الجديد على أنه احتمال يمكن فهم الآية عليه بحسب اللغة والعقل وبحسب معهود القرآن أيضًا في ضربه النور والضياء مثلًا للهدى والإيمان، والظلمة والعمى مثلًا للجهل والكفران، بيد أن اتفاق التفاسير التي بأيدينا على جعل مستوقد النار مثلًا للمنافقين جعلنا نتهيب تأدبًا أن نضربه مثلًا للرسول الأمين من غير شاهد يؤيد ذلك من الكتاب أو السنة.. وما برحت هذه المخالفة التي تحيك في الصدر وتبعد اطمئنان القلب إلى هذا المعنى حتى ظفرنا بشاهده الصريح الصحيح في حديث النبي عن نفسه، حيث يقول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار تقع فيها، فجعل ينزعهن ويغلبنه فيقتحمن فيها. فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها" رواه الشيخان.
نعم التمثيل به في الحديث من وجه غير الوجه الذي في الآية، ولكن هذا لا يضير، إذ المثل الواحد يضرب لمعان متعددة باعتبارات مختلفة، والذي يعنينا إنما هو وقوع التمثيل به للنبي الكريم -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو صريح في صدر الحديث كما نرى. فبذلك ازدادت النفس ركونًا إلى صحته.
وبعد فما بنا -علم الله- حب الخلاف ولا شهوة الإغراب، ولكنها أمانة العلم والنصيحة لكتاب الله تعالى حملتنا على أن نقول فيه أحسن ما نعلم، ثم شجعتنا على أن نسجل بالقلم هذا الذي قلناه بالفم، لنعرضه في الطرس على أنظار القارئين، كما عرضناه في الدرس على أسماع الطالبين لعل هؤلاء واجدون فيه من مواضع النقد والتمحيص ما لم يجده أولئك.
وهذا الباب من أبواب البحث والاستنباط الذي لا يمس أصلًا من أصول الدين ولا يحل حرامًا أو يحرم حلالًا لن يزال مفتوحًا لكل مسلم أعطاه الله فهمًا في كتابه، على شريطة القصد والأناة في سير العقل، ومع الاستضاءة في هذا السير بمصباحين من اللغة والشرع، على الحد الذي وصفنا، والمنهج الذي رسمنا. وبالله التوفيق.)).


الرئيسية | الموقع كاملاً